من الرؤى المثيرة للقلق أن يرى النائم مطرًا غزيرًا ينهمر بلا توقف حتى تغرق البلدة بأكملها، فتعلو المياه الشوارع والبيوت ويعم الفزع بين الناس في المنام، وهي رؤيا أقل شيوعًا من رؤية المطر الهادئ لكنها تتكرر عند من يمرون بضغوط نفسية شديدة أو يخشون أزمة عامة تطال مجتمعهم. وينبغي قبل الخوض في تفسيرها التأكيد على أن هذه الصورة المخيفة في المنام لا تعني بالضرورة وقوع كارثة حقيقية في الواقع، فالتفسير رمزي ظني يحتمل معاني نفسية ومعنوية بعيدة عن الحرفية، وعلى الرائي ألا يفزع من مجرد مشاهدة هذا المشهد في نومه.
يكتسب المطر الغزير المدمر دلالة مغايرة لدلالة المطر الهادئ، فبينما يرمز الأخير إلى الرحمة والرزق، قد يشير الطوفان الناتج عن غزارة المطر إلى تراكم هموم أو مشكلات عامة تثقل كاهل الرائي أو مجتمعه، أو إلى فتنة تعم الناس وتزعزع استقرارهم، أو إلى تغيير جذري مفاجئ يقلب موازين حياة كثيرين. ومع ذلك فإن المطر يظل في جوهره رمزًا للعطاء، فقد يحمل هذا الغرق في طياته أيضًا معنى تطهر جماعي أو تجديد قسري يعقبه خير بعد الشدة، إذ كثيرًا ما تعقب الأزمات في الرؤى مرحلة من الانفراج والاستقرار.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن غرق البلدة بالمطر قد يرمز إلى فتنة أو بلاء يعم أهلها، أو إلى ظلم ينتشر فيحتاج الناس إلى الصبر والدعاء لرفعه. وذهب بعض من نقل عن النابلسي إلى أن شدة المطر وتدميره للبيوت يقارب في معناه معنى المصائب العامة التي تهز استقرار المجتمعات، بينما أشار آخرون إلى أن الغرق قد يحمل أحيانًا بشارة بزوال ظلم قائم كما يغسل الماء الأرض من درنها. وهذه الأقوال المنسوبة تبقى اجتهادات غير مسندة بثبوت قاطع، وقد تباينت فيما بينها، فلا ينبغي الارتكان إليها جزمًا.
يتوقف فهم هذه الرؤيا على عدة عوامل مهمة، منها شعور الرائي أثناء الغرق، فإن كان يشعر بالخوف الشديد والعجز كانت الرؤيا أقرب إلى التعبير عن قلق داخلي يعيشه في يقظته تجاه أوضاع عامة أو شخصية، أما إن كان هادئًا يراقب المشهد دون أذى يلحق به فقد يكون المعنى أخف وطأة. كما يؤثر مصير الرائي في الحلم، فهل نجا من الغرق أم غرق فعلًا، وهل كان المطر مصحوبًا برعد وبرق يزيد من حدة المشهد، فكل هذه التفاصيل تغير زاوية التفسير من رمز لأزمة عامة إلى رمز لانفعال نفسي داخلي لا علاقة له بالواقع الخارجي مباشرة.
بالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد تعكس هذه الرؤيا قلقها من تغيير كبير مقبل في حياتها كالزواج أو تغيير مسارها الدراسي، وتولد في نفسها شعورًا بعدم السيطرة على الأحداث.
أما المرأة المتزوجة فقد ترمز إلى أزمة أسرية تشعر أنها تفوق طاقتها، أو خوف من تغيرات في استقرار بيتها، وتحتاج معها إلى تهدئة نفسها والتوكل على الله.
وللرجل قد تشير إلى ضغوط عمل أو مسؤوليات مالية متراكمة تثقل كاهله، أو خوف من أزمة اقتصادية عامة تؤثر على مصدر رزقه ومن يعول.
تتغير حدة التفسير بحسب تفاصيل الغرق، فإن كان الماء يحمل الوحل والقذارة دل ذلك على معنى أقرب إلى الفتنة أو الهم المصحوب بتعب نفسي، أما إن كان الماء صافيًا رغم غزارته فقد يخفف ذلك من حدة التفسير السلبي. كما أن مدة استمرار الغرق في الحلم، وهل انتهى المشهد بانحسار المياه أم بقي مستمرًا دون نهاية، يحدد ما إذا كانت الأزمة المرموز إليها مؤقتة أم ممتدة. ومكان الغرق أيضًا مؤثر، فغرق بيت الرائي وحده يختلف عن غرق البلدة كلها الذي يوسع دائرة المعنى إلى الشأن العام.
وختامًا يجب التأكيد أن كل هذه المعاني اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى القطع، ولا يصح أن يُبنى عليه خوف دائم أو قرار متسرع، فالغيب عند الله وحده سبحانه. ومن رأى هذه الرؤيا المقلقة فالأولى به أن يستغفر الله ويكثر من الدعاء وحسن الظن به، وأن يتصدق إن استطاع، فذلك مما يطمئن القلب شرعًا، دون أن يحمل الرؤيا فوق ما تحتمل من دلالات رمزية ظنية لا تصل إلى اليقين.
ومما يلاحظه بعض من يهتم بهذا النوع من الرؤى أن مشهد الغرق الجماعي قد يرافقه أحيانًا في المنام مواقف تعاون بين الناس، كمن يساعد غيره على الفرار من الماء أو ينقذ طفلاً أو كبير سن، وهذا التفصيل يضيف بعدًا إيجابيًا للرؤيا قد يخفف من وطأة المشهد المخيف، إذ يرمز إلى أن الأزمة المقبلة مهما بلغت شدتها فإن التكاتف والتراحم بين الناس كفيل بتجاوزها. كذلك فإن استيقاظ الرائي من هذه الرؤيا بشعور الفزع ثم عودته لاستعادة هدوئه بسرعة قد يدل على أن الأمر مجرد انعكاس لضغط يومي عابر لا يحمل دلالة عميقة تستدعي القلق الطويل، بخلاف من يظل أثر الرؤيا في نفسه متوغلاً لأيام فقد يحتاج فعلاً إلى مراجعة أحواله العامة.
