رؤية البحر الأزرق في المنام صورة جميلة تترك في النفس انطباعًا بالانشراح، لكن تفسيرها يبقى رمزيًا لا حرفيًا. فاللون في الأحلام عنصر دلالي يضاف إلى دلالة المكان، وقد يتبدل معناه بتبدل حال الرائي. والرؤيا لا تُبنى عليها قرارات مصيرية ولا يُجزم بأنها خبر عن المستقبل. وإنما هي إشارات تحتمل أكثر من وجه، يُستأنس بها ويُوازن بينها وبين واقع الرائي. وفيما يلي عرض لأشهر ما قيل في هذا المنام.
البحر في الرموز يدل على السعة والعمق والرزق الواسع والرحلة بما فيها من تقلبات، كما يدل على المشاعر العميقة التي يحملها الإنسان. أما اللون الأزرق فيُقرن في أذهان كثيرين بالسماء والصفاء والهدوء والاتساع، فيجتمع الأمران في صورة توحي بالأمل وبفتح الآفاق. وقد يعبّر الأزرق الصافي عن رغبة في التجدد أو عن شعور بالراحة بعد عناء. ومن الجائز أن يكون الحلم انعكاسًا لحاجة الرائي إلى مساحة أرحب في التفكير أو العمل. وكل ذلك يبقى احتمالًا يُنظر فيه بحذر.
نُسب إلى ابن سيرين أن البحر يرمز إلى أمر عظيم أو رزق أو صاحب سلطان، وأن حسن هيئته وصفاءه يدلان على حسن الحال فيما يتعلق به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صفاء الماء يدل على صفاء المقصد وسهولة الأمر، وأن الرؤية الحسنة للبحر تشير إلى خير مأمول. ومع ذلك فإن الكتب القديمة لم تتوسع كثيرًا في دلالة ألوان الماء على وجه التفصيل، فاللون الأزرق بخصوصه أقل تناولًا من أصل رمز البحر. ومن ثم يبقى التفسير هنا قائمًا على الاستنباط من الأصل العام، وتتفاوت فيه الآراء.
يتأثر المعنى بالسياق الذي ظهر فيه اللون. فإن كان الأزرق ناصعًا في وضح النهار، فالأقرب أن يدل على وضوح في الأمور ورؤية سليمة للأحوال. وإن كان داكنًا بعض الشيء فقد يدل على عمق في التفكير أو على أمر يحتاج إلى تأمل أطول. وإن كان الرائي يراه من نافذة بيته أو من مكان مرتفع، فقد يرمز إلى تطلع إلى مستقبل أوسع. أما شعوره بالراحة أثناء المشاهدة فهو قرينة تعزز المعنى الإيجابي، بينما الشعور بالرهبة قد يعني أن الأمر الكبير الذي ينتظره يحتاج منه إلى استعداد.
بالنسبة للعزباء، قد يُفسَّر البحر الأزرق بأنه إشارة إلى أمل جديد، أو إلى مرحلة تتضح فيها رغباتها وأهدافها، أو إلى سعة في فرص العلم والعمل. وقد يرمز كذلك إلى صفاء قلبها وحسن نيتها في ما تنتظره من أمور. وأما المتزوجة فقد يدل عندها على أجواء من الودّ والاستقرار في البيت، أو على رغبة في تجديد الأجواء الأسرية بنزهة أو سفر قريب. ولا يصح الجزم بأحد هذه المعاني، فالأمر يرجع إلى ما تعرفه المرأة من أحوال أسرتها.
وللرجل قد يدل البحر الأزرق على اتساع فرص الرزق أو على مشروع جديد يتطلع إليه، وعلى هدوء في العلاقة بمن حوله. وقد يرمز إلى سفر أو تغيير مكان بصورة عامة، دون جزم بذلك. وللحامل قد يكون المنام تعبيرًا عن الطمأنينة والتفاؤل بما هو قادم، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن مراجعة الطبيبة. وللطالب قد يشير إلى وضوح الطريق الدراسي وانشراح الذهن إذا اقترن بالجد والمثابرة.
وللتفاصيل أثر في التأويل. فإذا كانت السماء بلون الماء نفسه حتى يلتقيا في الأفق، فقد يُحمل ذلك على اتصال الأمل بالعمل وانسجام الرغبة مع الواقع. وإذا ظهرت طيور بيضاء فوق الماء فقد تعبّر عن أخبار مبهجة بصورة عامة. وإن كان الرائي يلبس ثيابًا فاتحة أو يقف على رمال نظيفة، فقد يزيد ذلك صورة الصفاء رسوخًا. وإن اختلط الأزرق بلون رمادي أو غيم، فقد يعني أن بعض الأمور لم تتضح تمامًا، وتحتاج إلى مزيد من التروي.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون هذا الحلم انعكاسًا لراحة ينشدها الرائي أو لإعجابه بمشهد رآه في اليقظة أو في صورة أو فيلم. ويمكن أن يستثمره في تنظيم أهدافه، وكتابة ما يريد إنجازه، وتخصيص وقت لما يحبه من أنشطة هادئة. والتعرض للطبيعة والمشي في الهواء الطلق يعين كثيرًا على تصفية الذهن. وإذا كان الرائي يمر بفترة ضغط، فقد يكون في الأزرق دعوة لطيفة إلى التنفس بعمق والنظر إلى الأمور من مسافة أوسع.
وتبقى هذه التأويلات اجتهادًا بشريًا ظنيًا قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح التعلق بها أو بناء قرار مصيري عليها. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه الصفاء وسعة الرزق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ورد في كتب التعبير إنما هو محاولات للفهم لا تغني عن العمل والتوكل. فمن رأى بحرًا أزرق فليحمد الله وليأخذ بالأسباب، وليترك ما وراء ذلك لعلم الله.
