الماء المثلج في المنام صورة تجمع بين رمزين مألوفين، الماء الذي يدل في الجملة على الحياة والرزق وجريان الأحوال، والثلج الذي يضيف إليه معنى البرودة والهدوء والتأني. وشربه يعني تناول هذا المعنى والانتفاع به في الحلم، ولذلك تتجه القراءة عادة إلى الراحة والانتعاش بعد جهد. ومع ذلك فالرؤيا رمزية وليست حرفية، ولا ينبغي أن تُحمل على ظاهرها ولا أن يُتخذ منها قرار في أمر حقيقي. وهي في أحسن أحوالها إشارة عامة إلى حال الرائي النفسية والمعيشية، تتغير بتغير التفاصيل التي رافقتها.
أصل رمزية الثلج هو الهدوء والصفاء والبرودة العابرة، وهو يوحي كذلك بالتأني وبتجمد بعض الأمور مؤقتًا ثم عودتها إلى مجراها. وحين يختلط بالماء ويُشرب باردًا فإن الصورة تميل إلى معنى الارتواء الهادئ، أي حصول المراد بهدوء ومن غير صخب. وقد تكون إشارة إلى راحة تأتي بعد تعب أو إلى سكينة تحلّ بعد قلق أو إلى حاجة صاحب الحلم إلى تهدئة ما اشتعل في صدره. ولا يصح الجزم بأحد هذه المعاني، فالقراءة تتأرجح بحسب سياق الرائي وما يمرّ به.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الماء أن شربه الصافي العذب يدل على رزق وراحة، وأن تغير صفائه قد يشير إلى كدر في المعيشة، وهذا أصل يُقاس عليه في الماء المثلج. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الماء البارد العذب أقرب إلى الخير والطمأنينة من الماء الحار أو المتغير، مع بقاء الاعتبار لحال الرائي. ويختلف العلماء بالتعبير في تفاصيل ذلك، فمنهم من يعمم ومنهم من يضيّق. وصورة الماء المثلج على وجه الخصوص من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، لأن الثلج لم يكن متاحًا في كل بيئة وزمان، فيكون الاعتماد على القياس لا على نص صريح.
يتغير المعنى بتغير الإحساس الذي يرافق الشرب، فالشرب بلذة ورضا يختلف عن الشرب مع ألم في الحلق أو برودة تؤذي. وإذا كان الماء صافيًا والثلج نظيفًا فالأقرب أن يُقرأ ذلك على أنه راحة وصفاء وطمأنينة. وإذا كان الماء قد أُفرط في تبريده حتى صار الشرب مؤلمًا فقد يشير إلى أن الرائي يحمّل نفسه ما لا يحتاج إليه من تشدد أو تكلف. وكذلك يفرّق بين من يشرب وهو عطشان حقًّا ومن يشرب من غير حاجة، فالأول أقرب إلى حصول مطلوب بعد انتظار، والثاني قد يشير إلى إكثار من أمر زائد. ومكان الشرب وهيئة الإناء ومن حضر معه كلها تدخل في التأويل.
إذا رأت العزباء أنها تشرب ماءً مثلجًا فقد يُفهم ذلك على أنه بشارة هدوء في أمر كان يقلقها، أو انفراج تدريجي في موضوع الدراسة أو العمل أو الارتباط. وقد يكون تعبيرًا عن حاجتها إلى الراحة والانتعاش بعد فترة ضغط، أو عن رغبتها في تهدئة مشاعر مضطربة قبل اتخاذ قرار. وإن كان الماء صافيًا لذيذًا فالمعنى أقرب إلى الطمأنينة، وإن كان شديد البرودة يؤذيها فقد يشير إلى تشدد أو تحفظ زائد في أمر ما. وهي في كل حال أعرف بحالها، والحلم لا يلزمها بشيء.
وأما المتزوجة فقد يشير شربها الماء المثلج إلى صفاء في جو البيت وتهدئة بعد خلاف أو تعب، أو إلى رزق هادئ يأتي بتدبير حسن. وقد يعبّر كذلك عن حاجتها إلى وقت تستريح فيه من أعباء كثيرة. وإن كانت حاملًا فإن اشتهاء الماء البارد في الحمل أمر مألوف، وقد ينعكس في المنام من غير أن يكون له دلالة أبعد من ذلك. ويُذكَّر بأن الحلم ليس نصيحة طبية، وأن كل ما يتعلق بصحة الحمل وما يُشرب ويُؤكل يُرجع فيه إلى الطبيب المختص.
وإذا رآه الرجل فقد يدل على رزق صافٍ يأتي بعد انتظار، أو على راحة بعد عمل شاق، أو على قدرة على ضبط انفعاله في موقف يحتاج إلى برود أعصاب. وقد يرمز عند التاجر إلى معاملة هادئة غير متكلفة، وعند الموظف إلى تخفيف ضغط العمل، وعند الطالب إلى حاجة للتروي وعدم الإفراط في السهر. وإن كان الرائي مريضًا أو يعاني من حساسية في الأسنان أو الحلق فالحلم قد يكون صدى لما يشعر به جسده، وليس دليلًا طبيًا ولا بشارة بشفاء ولا غير ذلك. ويُرجع في كل شكوى صحية إلى أهل الطب.
ومن الدقائق التي تغيّر المعنى وجود مكعبات الثلج طافية في الماء، وهي توحي بتدرج الراحة وبأن الخير يأتي على مهل. ويؤثر الإناء كذلك، فالكأس الزجاجية النقية توحي بصفاء، والإناء الكبير يوحي باتساع الرزق أو بكثرة من يشاركه الراحة. وقد يشرب الرائي وحده أو مع أهله، والشرب مع الجماعة أقرب إلى معنى المشاركة في خير أو أنس. كما أن لون الماء وطعمه ووقت الشرب، صباحًا أو مساءً أو في حرّ شديد، كلها قرائن. وفي حرّ شديد يكون الحلم أقرب إلى انعكاس للإحساس بالعطش منه إلى رمز بعيد.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم مجرد أثر لجفاف أو عطش في أثناء النوم، فالجسم يدمج حاجاته في أحلامه. وقد يكون في الوقت نفسه دعوة هادئة إلى مراجعة العادات، كشرب الماء بقدر معتدل وتنظيم الراحة وتهدئة الأعصاب قبل النوم. ويمكن للرائي أن يتأمل ما الذي يحتاج في حياته إلى تبريد وتهدئة، كخلاف عالق أو رسالة غاضبة تنتظر الرد أو عمل متراكم. وليس في الحلم نصيحة طبية، فمن كانت له حالة صحية معينة يلتزم بما يوصي به الطبيب لا بما يراه في منامه. والأنفع أن يخرج الرائي من الحلم بشعور من التروي لا بقلق.
وخلاصة ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار ولا أن يُجزم به في أمر. وحسن الظن بالله أصل في كل رؤيا، والخير يُرجى من الله في الحال والمآل، ويُدعى أن يجعل ما يراه الإنسان طمأنينة وصلاحًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في كتب التعبير إنما هو محاولة لفهم الرموز لا علم بما سيقع.
