قد يرى الإنسان في منامه أن الملح يتحول بين يديه إلى سكر، فيضعه في الطعام فيجده حلواً، أو ينظر إلى وعاء الملح فإذا حباته قد صارت سكراً، أو يتذوق الملح فيجد طعمه قد تبدّل إلى الحلاوة. وهي رؤيا لطيفة غريبة، فيها شيء من سحر الأحلام الذي لا يلتزم بقوانين اليقظة. وتأويلها رمزي ظني، لا يُحمل على ظاهره ولا يُقطع فيه بشيء، وإنما هو إشارات عامة يُستأنس بها، قد تصدق في حال وقد لا تصدق في أخرى، وتتأثر كثيراً بما يمر به الرائي.
يرمز الملح في الرؤى إلى الجد والمشقة والعشرة والحاجة، ويرمز السكر إلى الحلاوة وطيب الكلام ويسر العيش. وتحول الأول إلى الثاني قد يُفهم على أنه انقلاب حال من شدة إلى لين، أو من تعب إلى راحة، أو من أمر ثقيل إلى أمر محبب. وقد يعبر عن أن جهداً بذله الرائي أو صبراً صبره ثمر ما يسره. كما قد يعبر عن رغبة داخلية في أن تصير الأمور الصعبة أسهل. وهذه قراءة متفائلة مشروعة، لكنها لا تعني بالضرورة أن الأمور ستتغير في الواقع بلا سعي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحلو يدل على قول لين ومنفعة هنيئة، وأن الملح يدل في الجملة على ما يصلح به الأمر أو على شدة وعشرة بحسب السياق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن انقلاب الشيء في المنام إلى ما هو أفضل منه قد يبشر بتحسن حال صاحبه في ذلك الباب، وإن اختلف المفسرون في ذلك ولم يقطعوا فيه. وهكذا نرى أن الباب باب اجتهاد، وأن ما ذُكر لا يُعد حجة. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بالله وأن يأخذ من الرؤيا ما يشرح صدره دون تعلق مبالغ فيه.
وتتغير الدلالة بتفاصيل الحلم. فإن كان التحول سلساً هادئاً فقد يعبر عن تغير تدريجي نحو الأفضل، وإن كان مفاجئاً فقد يعبر عن فرج يأتي دون توقع. وإن كان الرائي سعيداً بالتحول فالمعنى أقرب إلى البشرى، وإن كان متحيراً فقد يعبر عن عدم يقين من هذا التغير. وإن كان الملح كثيراً فقد يشير إلى أمر كبير يتحسن، وإن كان قليلاً فإلى أمر يسير. وإن استعمل السكر الناتج في طعام أو شراب نافع فهو أقرب إلى أن يثمر خيراً. وهذه كلها احتمالات، لا يجزم بواحد منها.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن أمل في أن تتحسن أمور تعبت فيها، كدراسة أو عمل أو علاقة أسرية، ولا يُفهم منه حكم محدد في الزواج أو الخطبة. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن تحول نحو أجواء ألطف في البيت بعد فترة جد وتعب، أو عن ثمرة صبر على موقف. وللحامل قد يكون صدى لتحول الأحاسيس بين تعب الحمل وفرحة الانتظار. وللرجل قد يرتبط بانفراج بعد ضيق في الرزق أو العمل. وكل ذلك من باب الرجاء الذي لا يغني عن السعي.
وللتاجر قد يعبر الحلم عن أمل في أن تتحول بضاعة كاسدة أو مرحلة صعبة إلى رواج، ويحسن به مع ذلك أن يعمل ويدبر ويستشير، فالرزق لا يأتي من الأحلام. وللمريض قد يكون الحلم من باب التفاؤل والطمأنينة، دون أي علاقة بحالته الصحية، ومرجعه طبيبه. وللطالب قد يعبر عن أمل في أن تثمر مذاكرته. وهذه المعاني كلها لطيفة، لكنها لا تعدو أن تكون رجاءً حسناً يُقال للتشجيع، لا وعداً ولا قطعاً بشيء يخص الغيب.
ومن الدقائق: كيف كان شعور الرائي عند ملامسة الملح وهو يتحول؟ فإن كان دافئاً مريحاً فهذا أبشر، وإن كان بارداً غريباً فقد يعبر عن تردد. وهل حدث التحول في يده أم في إناء أم على الأرض؟ فاليد قد ترتبط بعمله وسعيه، والإناء بما يعده لغيره، والأرض بما هو خارج عن سيطرته. وهل شاركه أحد في المشهد؟ فقد يعبر ذلك عن أن التغيير مرتبط بعلاقة. وهل تحولت أشياء أخرى؟ فالتحول الشامل قد يرمز إلى مرحلة جديدة. كل ذلك ظني.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن رغبة في إحالة الصعب إلى سهل، وعن أمل خفي في تغير الظروف، وعن حاجة إلى أن يرى الإنسان نتيجة لجهده. وفيه دعوة إلى الصبر والمثابرة، فكم من أمر بدا ثقيلاً ثم صار بمرور الأيام مألوفاً بل محبباً. كما فيه تذكير بأهمية النظرة المتفائلة التي تبحث عن الجانب الحلو في كل موقف، دون إنكار للواقع. ومن تعود على الشكر وجد في الملح والسكر نعمة، وفي كل حال حكمة.
ومن الناحية العملية، يمكن للرائي أن يترجم هذا الرمز إلى خطوات بسيطة: أن يبدأ بحل مشكلة صغيرة طال تأجيلها، أو أن يعالج موقفاً صعباً بكلمة لينة، أو أن يبذل جهداً مضاعفاً في أمر يهمه. وقد يتعلم أن اللين قد يحول الشدة إلى ألفة كما تتحول القسوة إلى لطف بالمعاملة الحسنة. وهذه من الحكم التي تتوافق مع معنى الحلم وإن لم تكن تفسيراً له. فالفائدة الحقيقية في العمل لا في التنبؤ.
ومن زاوية الصحة، فلا علاقة بين رؤية الملح والسكر في المنام وبين ضغط الدم أو مستوى السكر أو غيرهما، ومن كان يعاني مرضاً يتطلب حمية فمرجعه الطبيب وإرشاداته. ولا يجوز أن يتخذ أحد من حلم مبرراً لتغيير غذائه أو دوائه. فالأحلام لا تقيس شيئاً من ذلك. والاعتدال في الملح والسكر كليهما من حسن العناية بالجسد، وهو معنى متفق عليه عند أهل الطب والحكمة.
وفي الختام، فإن تأويل هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ والصواب، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة أو صحة. وخير ما يفعله من رآها أن يدعو الله بالتيسير وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يمضي في أسبابه بصبر. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يبدل الأحوال ويجعل بعد كل ضيق مخرجاً، فنرجو فضله ونسأله اللطف في الأقدار.
