يرى بعض الناس في منامهم أن كمية قليلة من السكر تكفي جمعًا كبيرًا، أو أن الوعاء لا يفرغ مهما أخذوا منه، أو أن السكر يزداد كلما وزعوه، فيدركون في الحلم أن في الأمر بركة. وهذه الصورة محببة جدًا، إذ تعبر عن معنى أصيل في الثقافة العربية والإسلامية، هو معنى البركة التي لا تُقاس بالعدد. وهي كذلك صورة رمزية لا تعني حدوث معجزة في الواقع. ونتناولها بتأمل وحذر.
البركة في الأصل زيادة معنوية في الخير لا تظهر في الأرقام، فقد يكفي القليل ويسع الكثير. والسكر رمز للحلاوة والرزق المريح، فاجتماعهما يوحي برزق ميسر مبارك، ولو كان قليلًا، أو بنعمة تتضاعف أثرًا لا عددًا، أو بكلمة طيبة ينتفع بها جمع كبير. وقد يعبر الحلم عن شعور القناعة والرضا بالموجود وأنه كاف. كما قد يدل على أن الكرم والمشاركة يزيدان الخير حضورًا في حياة الرائي.
نُسب إلى بعض المفسرين أن ما يزداد من الطعام في الرؤيا قد يدل على سعة الرزق أو بركته بحسب حاله، وأن الكفاية بالقليل قد تدل على قناعة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحلو من الطعام يشير إلى اللين والرزق المريح، وإن اختلف المفسرون في تفاصيل ذلك. ومن ثم فإن ربط الحلم بالبركة هو من باب الاستئناس بالمعاني، لا من باب الجزم بما سيقع.
ويتضح المعنى بالتفاصيل. فإن كان الوعاء الصغير يطعم الجميع فقد يدل على قناعة وبركة في القليل، وإن كان الوعاء يمتلئ كلما أُخذ منه فقد يدل على تجدد الخير، وإن كان السكر يزداد عند توزيعه فقد يدل على بركة الكرم، وإن كان يتناقص بسرعة فقد يعبر عن خشية من ضياع النعمة. وإن كان الرائي يشارك الجيران والأقارب فقد يدل على صلة الرحم، وإن كان يخبئه فقد يعبر عن قلق من الفقد. والشعور بالرضا هو أصدق قرينة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن رضا بما رزقها الله من أهل وعلم وأخلاق، وعن توفيق في أمورها بالقليل المتاح. وقد يشير إلى أن ما ستفعله من خير صغير قد يبارك الله فيه. وليس في الحلم وعد بشيء، لكنه فرصة للتفاؤل وللمواظبة على الأعمال الصالحة الصغيرة، فبركتها قد تتجاوز ظاهرها.
وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى بركة في البيت وتدبير حكيم يكفي الأسرة بما هو متاح، وإلى سلامة العلاقة بين أفرادها. وللحامل قد يعبر عن رضا وسكينة وتوكل في ظرف يحتاج إلى الطمأنينة، ولا يدل على أمر خاص بالحمل أو الولادة. وينفعها أن تكثر من الدعاء بالبركة في صحتها وفي مولودها، وأن تتابع طبيبتها كما ينبغي.
وللرجل قد يدل على بركة في الرزق والعمل وإن قل المال، وقدرة على إدارة موارده بحكمة. وللتاجر قد يشير إلى بركة في البيع بحسن الخلق وصدق التعامل والسماحة، وهي معان مشهورة في تراث التجار المسلمين. ولا يعني الحلم ضمان ربح، وإنما يذكّره بأن البركة تُطلب بالصدق والأمانة والإحسان، وأن الكثرة وحدها لا تضمن طمأنينة.
ومن الدقائق: هل كان الوعاء قديمًا أم جديدًا؟ فالقديم قد يدل على بركة متوارثة، والجديد على بداية مباركة. وهل كان الرائي يسمي ويذكر الله وهو يأخذ؟ فذلك يضيف دفئًا إلى المعنى. وهل كان هناك ضيوف؟ فالضيافة والبركة مرتبطتان في ذاكرة الثقافة. وهل كان السكر نقيًا؟ فالصفاء يعزز الدلالة. وهل شعر الرائي بالدهشة أم بالطمأنينة؟ فالطمأنينة أقرب إلى معنى البركة الهادئة.
ومن الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن رضا داخلي وقناعة، أو عن حاجة إلى أن يشعر الإنسان بأن القليل كاف. ويمكن أن يكون دعوة إلى أن يطلب الإنسان البركة بأسبابها: الشكر، والكرم، وحسن الخلق، وترك الإسراف، وتجنب الحرام. فالمال القليل المبارك خير من كثير يُقلق. وفي حياتنا اليومية قد نجعل لكل يوم نصيبًا من الإحسان ولو بكلمة طيبة، فبه تتسع الحلاوة في حياتنا وحياة من حولنا.
ومن الظلال المحتملة أن يرى الرائي أن السكر ينتقل مع الناس إلى بيوتهم فيحمل البركة إليها، وهذا قد يعبر عن أثر طيب يتركه الرائي بين الناس. وقد يرى أنه يقسم القليل بالعدل فيكفي الجميع، فيدل على إنصاف. وقد يرى طفلًا يعد الحبات ويضحك، فيدل على براءة الفرح بالقليل. وكلها صور تذكرنا بأن النعمة تقاس بأثرها في القلوب لا بحجمها في الأيدي.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فإن رأيت هذا الحلم فاحمد الله على ما أعطاك، وأحسن الظن به، وادعه أن يبارك لك في رزقك ووقتك وأهلك، ثم امضِ في حياتك بالقناعة والعمل والتوكل عليه.
