يحدث أن يرى الإنسان في منامه السكر وقد حام حوله الذباب، فيجده يحط على الحبيبات أو يطنّ فوق الوعاء أو يلتصق بالحلوى. وهذه صورة مألوفة جداً في البيوت، وقد تترك في النفس شيئاً من الاشمئزاز أو الضيق عند الاستيقاظ. غير أن الحلم هنا لا يُحمل على ظاهره، فهو في الغالب صدى لمنظر مألوف أو لتأثر بنظافة المكان أو بمواقف يومية. أما تأويله الرمزي فهو ظني لا يُقطع فيه بشيء، وما يذكر إنما هو للتأمل والاعتبار.
السكر في الرؤى يرمز إلى الحلاوة والخير واليسر، والذباب في الغالب يرمز إلى المزعجات الصغيرة والأعداء الضعفاء أو الكلام الفارغ الذي يحوم حول الخير. فإذا اجتمعا فقد يُفهم أن في حياة الرائي نعمة أو فرصة أو علاقة جميلة قد يحوم حولها من يزعجها أو يشوش عليها، وأن الأمر يحتاج إلى حذر وحفظ. وقد يكون أيضاً تنبيهاً إلى ما يلوّث صفاء الأيام من أمور صغيرة. وهذه قراءة عامة لا تحمل قطعاً ولا تخويفاً، وإنما تنبيه لطيف يمكن الاستفادة منه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الذباب في المنام يدل على أعداء ضعفاء أو أذى يسير أو أناس مؤذين قليلي الشأن، وأن الحلو يدل على قول لين ومنفعة هنيئة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معنى قريب من ذلك في شأن الذباب، وإن اختلف المفسرون في تفصيله. وبناءً عليه يمكن أن يقال إن الجمع بينهما قد يشير إلى أذى يسير يحوم حول منفعة، لكن هذا جمع احتمالي لا ينبغي أن يُبنى عليه شيء. وقد يكون الأمر مجرد إشارة للعناية بنظافة البيت.
وتتغير الدلالة بتفاصيل الحلم. فإن كان الذباب قليلاً وطرده الرائي بسهولة فقد يعبر عن زوال أذى يسير بسرعة. وإن كان كثيراً مستمراً فقد يعبر عن إلحاح مزعجات تحتاج إلى صبر وحكمة. وإن كان على السكر وحده دون غيره فقد يرتبط الأمر بنعمة بعينها، وإن كان على كل شيء فقد يرتبط بحالة عامة. وإن غطى الرائي السكر بسرعة فقد يشير إلى حرصه على حفظ ما يملك. وكل ذلك ظني، والأهم أن لا يتعلق به إلى حد القلق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن كلام الناس حولها أو انشغالها بما يُقال عنها، وحاجتها إلى ألا تلتفت إلى الثرثرة التي لا تنفع. ولا يُفهم منه سوء بحق أحد. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الحلم بنظافة البيت وترتيبه، أو بمنغصات صغيرة في العشرة تحتاج إلى حل هادئ. وللحامل قد يعبّر عن حساسية مفرطة تجاه النظافة والروائح، وهذا طبيعي. وللرجل قد يرتبط بمتاعب العمل الصغيرة أو بمن يكثر الكلام حول مشروعه دون فائدة، فيحسن ألا يضيع وقته فيهم.
وللتاجر قد يكون الحلم تنبيهاً إلى نظافة المحل وحفظ البضاعة من التلف، وإلى الحذر من الكلام الذي قد يُشاع بلا أساس عن معاملاته. وفي هذه الحالة يكون العلاج عملياً: تنظيف وتغطية وتنظيم. وللطالب قد يرتبط بالمشتتات التي تحوم حول مذاكرته، فيحسن أن يخلو بنفسه ويرتب وقته. فهذه المعاني النفعية هي أحسن ما يُستفاد من الحلم، وهي لا تتوقف على صحة التأويل الغيبي.
ومن الدقائق: هل كان الذباب يحط على السكر أم يحوم فقط؟ فالحط قد يرتبط بأذى أقرب، والحوم بأذى أبعد. وهل كان الرائي يأكل السكر رغم الذباب؟ فقد يعبر ذلك عن تساهل أو عن عدم انتباه، وقد يكون صدى لنصيحة صحية يحتاج إلى تذكرها وهي ألا يأكل ما لامسه الذباب. وهل كان في المكان رائحة أو قذارة؟ فقد يرتبط ذلك بوضع البيئة المحيطة. ولا بأس بأن يتخذ الإنسان من هذا الحلم دافعاً لتفقد نظافة مطبخه وطعامه.
ومن الناحية النفسية والعملية، فقد يعكس الحلم شعوراً بأن أموراً صغيرة تزعج الرائي وتفسد عليه استمتاعه بما هو جميل في حياته. وفيه دعوة إلى ألا يسمح للمنغصات الصغيرة بأن تطغى على النعم الكبيرة، وإلى التعامل مع ما يؤذيه بهدوء وحزم دون مبالغة. كما فيه تذكير بقيمة الحفظ والنظافة والتغطية، وهي من سنن الحياة التي ينبغي الاعتناء بها. ومن أحسن ما يفعل بعده أن يرتب مكان طعامه ويذكر الله عليه.
وهناك معنى أخلاقي لطيف يمكن أن يُستخلص من هذه الصورة، وهو أن الخير الجميل يحتاج إلى صيانة، وأن من يملك نعمة عليه أن يحرسها بالحكمة لا بالخوف. فكما يُغطى الطعام ويُحفظ من الأذى، تُحفظ العلاقات بالكلمة الطيبة والبعد عن القيل والقال، ويُحفظ المال بالتدبير، وتُحفظ الصحة بالاعتدال. ومن جعل من حلمه مناسبة لهذه المراجعة الهادئة فقد استفاد منه فائدة حقيقية، دون أن يلزمه الجزم بتفسير أو الخوف من نتيجة.
وفي الختام، فإن تأويل هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يُبنى عليه اتهام لأحد أو قرار يخص المال أو العمل أو العلاقات. والأولى لمن رآها أن يستعيذ بالله من كل أذى، ويدعوه بالحفظ، ويحسن به الظن. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الحافظ لعباده من كل سوء، فنطمئن إلى حفظه ونمضي في أعمالنا بتوكل وهدوء.
