قد يرى الإنسان في منامه سكراً في مجلس عزاء، فيجده على صينية الضيافة أو في كوب شاي يُقدَّم للمعزّين، أو يُوزَّع في ذلك الجو الحزين. ومثل هذه الرؤيا تثير في النفس حيرة، لأن اجتماع الحلاوة مع الحزن يبدو غريباً. غير أنه مشهد مألوف في الواقع، فالضيافة في المآتم تجري بسكر وشاي وقهوة، فلا غرابة في أن تظهر هذه الصور في الحلم. وينبغي أن نتناولها برفق واحترام لمقام الموت وأهله، مع تذكّر أن تفسير الأحلام رمزي ظني، لا يُحمل على ظاهره ولا يُجزم به.
السكر في المنام يرمز غالباً إلى الحلاوة واللين، وقد يُقرأ على أنه تخفيف وتسلية في موضع المصاب. وفي مجلس العزاء قد يشير إلى معنى المواساة والكلمة الطيبة التي يداوي بها الناس بعضهم جراح بعض. وقد يُفهم أيضاً على أنه سكينة تتنزل على قلوب المتألمين، أو دعوة إلى الصبر الجميل وإلى رقة المعاملة مع أهل الميت. وليس في هذا تنبؤ بحادثة بعينها، ولا ينبغي أن يُظن أن الرؤيا نذير موت أو سوء، فالمشهد قد يكون محض ذكرى أو تأثر بموقف عاشه الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحلو في الجملة يدل على كلام طيب وراحة، ونُقل عنه وعن غيره أن حضور الجنائز والعزاء في الرؤى لا يُحمل دائماً على الحزن، بل قد يختلف بحسب القرائن. وذهب بعض المفسرين، ومنهم النابلسي في بعض ما نُقل عنه، إلى أن مثل هذه المشاهد قد تشير إلى موعظة أو اعتبار أو صلة رحم، وإن كان المفسرون قد اختلفوا في ذلك اختلافاً كبيراً. فلا ينبغي الجزم بشيء. والأحسن أن تُحمل الرؤيا على أحسن المحامل، وأن يُترك ما قد يخيف أو يُحزن.
وتتبدل المعاني بحسب التفاصيل: هل كان الميت معروفاً للرائي أم غير معروف، وهل كان الحاضرون يبكون أم يتحدثون بهدوء، وهل كان السكر في الشاي أم في أطباق حلوى. وقد يكون الأمر انعكاساً لزيارة عزاء قريبة أو لخبر وفاة سمعه الرائي، فيكون الحلم ترتيباً للمشاعر لا أكثر. وإن كان في الحلم تقديم السكر للمعزّين فقد يُقرأ على أنه حسن ضيافة وأدب في المواساة. وإن بدا السكر مُرّاً أو غير مستساغ فقد يعكس ثقل المشاعر التي يحملها الرائي تجاه فقد أو فراق.
وللفتاة غير المتزوجة قد تُقرأ الرؤيا على أنها دعوة إلى مراجعة صلتها بأقاربها وحضورها مواساتهم، أو أثر لتأثرها بحزن قريب. ولا يُستنتج منها شيء سلبي يخص مستقبلها. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن رقة قلبها واهتمامها بأهلها، وعن رغبة في أن تكون سنداً لمن حولها. وللحامل ينبغي أن تُهدّأ من أي قلق تثيره الرؤيا، فهي لا تدل على سوء، والأحلام المتأثرة بالعزاء كثيراً ما تأتي من مشاعر الخوف الطبيعية في فترة الحمل.
وللرجل قد يكون في الرؤيا تذكير لطيف بفضل الوقوف مع الناس في مصابهم، وبأن مجبر الخواطر له أثر كبير. وقد تحرّك فيه الرغبة في زيارة قريب أو الاتصال بمن فقد عزيزاً. وللتاجر قد تحثّه على حسن الخلق مع الناس حتى في أوقات الشدة. وفي كل ذلك لا يُراد التهويل ولا التهوين، وإنما ينبغي النظر إلى الجانب الرحيم من الرؤيا، فالمواساة بالكلمة الحسنة والفعل الطيب باب من أبواب الخير.
ومن دقائق التفسير عدم الخلط بين الحزن في الرؤيا والحزن في الواقع؛ فكثيراً ما يرى الناس صور البكاء والعزاء ثم تأتي بعدها أخبار سارة، كما قد تأتي صور الفرح وبعدها همّ. وهذا يؤكد أن الرموز لا تعمل بنمط ثابت. ومن المفيد أن يتأمل الرائي حاله: هل هو في فترة فقد أو شوق لراحل، فإن كان كذلك فالأرجح أن الحلم تعبير نفسي عن ذلك، وأن الدعاء للميت والصدقة عنه أنفع من الاستغراق في التأويل.
وفي الجانب النفسي، فالحلم قد يمنح فرصة لمعالجة مشاعر لم يجد لها الإنسان مكاناً في اليقظة. وقد يكون السكر هنا رمزاً لحاجتنا إلى لحظة لطف وسط الوجع، وإلى كلمة دافئة من قريب. فإن كان الرائي يمرّ بحزن فلا بأس أن يتحدث إلى من يثق به، وأن يمنح نفسه وقتاً للصبر والراحة. ومن الجميل أن يحوّل تأثره إلى فعل خير: صدقة جارية، أو دعاء لمن رحل، أو زيارة لأهل المصاب.
وفي الختام، فإن التعبير عن هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار ولا يُجزم به في شأن الأحياء أو الأموات. وأحسن ما يُقابل به المرء هذه الصور الدعاء بالرحمة لمن فقدهم، وحسن الظن بالله، والتسليم بأن الغيب كله عنده وحده. فاللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واجبر قلوب الحزانى، ونحن نكتفي من الرؤى بما يقوّي الصبر ويزيد الرحمة.
