يرى كثير من الناس في منامهم أنهم يحضرون مناسبة اجتماعية يكون فيها السكر حاضراً، سواء في صورة أطباق حلوى أو أكياس تُقدَّم للضيوف أو مكعبات توضع إلى جانب الشاي والقهوة. وهذه من الرؤى المألوفة لأن المناسبات ترتبط في الذاكرة بالاجتماع والفرح والضيافة، والسكر جزء ثابت من مشهدها. ومن المهم أن نتذكر منذ البداية أن تفسير الأحلام باب رمزي لا يُحمل على ظاهره، وأن ما يُذكر هنا إشارات عامة قد تصدق وقد لا تصدق. فليست الرؤيا خبراً مؤكداً بما سيقع، ولا حكماً على صاحبها. وإنما هي صور تستدعي التأمل بهدوء وحسن ظن.
السكر في عالم الرؤى رمز للحلاوة بمعانيها المتعددة؛ حلاوة العيش وحلاوة الكلام وحلاوة العشرة بين الناس. وكثيراً ما يُقرأ على أنه إشارة إلى يسر يأتي بعد عسر، وإلى خبر سار يدخل البيت، وإلى رزق مريح لا يحتاج صاحبه فيه إلى كثير من المشقة. وهو كذلك رمز للّطف في المعاملة، فمن رآه قد يُفهم أن في حياته مجالاً للمودة وطيب الخاطر. أما إذا ظهر السكر متكتلاً أو فاسداً أو مبالغاً فيه، فقد يُفهم على أنه تنبيه إلى حلاوة ظاهرة تخفي شيئاً آخر، أو إلى إسراف في التلذذ بما لا ينفع كثيراً.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الحلويات والمطعومات أن كل حلو يدل في الجملة على ما يلذّ للنفس من كلام طيب ومنفعة هنيئة، ونُقل عن غيره أن الشيء الحلو إذا جاء بلا تعب فهو أقرب إلى الرزق السهل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربط السكر بالقول اللين وبما يأتي من المال دون عناء كبير، وإن كان ذلك مما اختلف فيه المفسرون ولم يتفقوا على صيغة واحدة. ولذلك ينبغي ألا تُعدّ هذه الأقوال قواعد ثابتة، بل اجتهادات يستأنس بها القارئ. وقد يختلف المعنى من مفسر إلى آخر بحسب الزمان والعرف وطبيعة مأكولات كل بلد.
في المناسبات خصوصاً، يتغير المعنى بحسب تفاصيل المشهد. فكثرة السكر على الموائد قد تشير إلى سعة في الرزق وكثرة في المحبين، بينما قلته قد توحي بحاجة إلى مزيد من التواصل مع الأقارب والأصدقاء. ونقاء السكر وبياضه يوحيان بصفاء النية وصدق المودة، أما اختلاطه بالتراب أو الشوائب فقد يوحي بأن الفرحة ليست خالصة تماماً. وكذلك مذاقه: إن كان طيباً فهو أبشر، وإن وُجدت فيه مرارة غير متوقعة فقد يكون تنبيهاً إلى أن بعض الكلام الحلو يخفي عتباً. وللجهة التي قدّمته أثر أيضاً، فمن قدّمه قريب محبوب غير من قدّمه شخص مجهول.
وللفتاة غير المتزوجة قد تُفهم الرؤيا على أنها إشارة إلى توسع في دائرة معارفها وحضور مناسبات يكثر فيها اللقاء الطيب. وربما أشارت إلى كلمة حسنة تسمعها أو عرض كريم يأتيها من أسرة طيبة، لكن ذلك كله من باب التفاؤل لا القطع. وإن رأت أنها توزع السكر على الحاضرين فقد يُقرأ ذلك على أنه لطف طبعها وحسن حضورها بين الناس. ويحسن بها ألا تبني على الرؤيا قراراً في أمر الخطبة أو الاختيار، فالقرارات تُبنى على الواقع والمشورة والاستخارة لا على الأحلام.
وللمرأة المتزوجة قد تدل الرؤيا على أجواء ودّ في الأسرة واجتماع على خير بين الأهل، وربما على مناسبة سعيدة تخص أبناءها أو أقاربها. وللرجل قد تشير إلى حسن علاقاته الاجتماعية وإلى كلمة طيبة تفتح له باباً في عمله أو في صلة رحمه. وللتاجر قد يُفهم أن في السوق رواجاً أو أن عنده مجالاً لكسب ثقة الناس بحسن معاملته وبشاشة وجهه. وهذه كلها احتمالات واسعة لا تتجاوز حدود الاستئناس، وقد لا يكون لها علاقة بواقع صاحبها أصلاً.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: هل كانت المناسبة معروفة للرائي أم مجهولة، وهل كان فيها فرح صادق أم تكلف، وهل كان السكر في أوعية فاخرة أم في أكياس بسيطة. فالمناسبة المعروفة تربط الرؤيا بأشخاص بعينهم في حياة الرائي، أما المجهولة فتميل إلى المعنى العام. وإن شاركه آخرون في أكل السكر فذلك يوحي بمنفعة مشتركة، وإن انفرد به وحده فقد يوحي بنصيب خاص. وقد تعطي ألوان الثياب والمكان والأصوات تلميحات إضافية لمن أتقن قراءة الرموز.
ومن الجانب النفسي، قد تكون هذه الرؤيا انعكاساً لشوق إلى الاجتماع بالأحبة أو لانشغال بتحضير مناسبة قريبة، فالعقل يعيد في النوم ما شغله في اليقظة. ويمكن أن يكون فيها دعوة لطيفة إلى القناعة بما بين أيدينا، وإلى الاعتدال في الإنفاق على المظاهر، وإلى ادّخار شيء للأيام المقبلة. وفيها كذلك تذكير بأن الكلمة الطيبة أرخص هدية وأبقاها أثراً، فلا بأس أن يجعل الإنسان من الرؤيا دافعاً إلى صلة قريب أو مجاملة صديق أو زيارة جار.
وختاماً، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو الزواج أو العمل أو غيرها من شؤون الحياة. وخير ما يفعله الرائي أن يدعو الله بالخير، وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يمضي في يومه بالأخذ بالأسباب والتوكل عليه. فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا صور يتأمل فيها الإنسان ثم يتركها لربه.
