من الأحلام الدالة على التناقض أن يأكل الرائي السكر فيجد حلاوته في أول الفم ثم ما تلبث أن تنقلب مرارة تلازم لسانه وحلقه، فيحاول أن يتخلص منها بالماء أو بالبصق فلا تزول. وهذا الشعور يوقظ بعض الناس وفي أفواههم إحساس غريب. وهو في تركيبه يحاكي تجارب الحياة التي تبدأ حلوة وتنتهي مرة. ونتأمله بالنظر الرمزي مع الاعتراف بحدود المعرفة.
السكر رمز للحلاوة، والمرارة التي تعقبه ترمز إلى عاقبة غير مواتية: متعة عاجلة يعقبها ندم، أو كلام حلو يتبين أن وراءه ما يؤلم، أو فرحة قصيرة تتلوها هموم. وقد يعبر عن تجربة سابقة أو توقع لما سيأتي. لكنه قد يكون كذلك صدى لحالة بدنية كسوء هضم أو جفاف، فبعض الأحلام تنبع من الإحساس الجسدي أثناء النوم. فلا نبالغ في تحميله معاني قاطعة.
نُسب إلى بعض المفسرين أن مرارة الطعام في الرؤيا قد تدل على هم أو مشقة أو كلام يؤذي، وأن الحلاوة تدل على راحة، فإذا اجتمعا ترتب على ذلك تفسير بأن الراحة قد تتلوها شدة أو العكس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحلو علامة اللين واليسر، وإن اختلفوا في ما يطرأ بعده. ومن هنا يظهر أن للتتابع أثرًا؛ فحلاوة تعقبها مرارة تختلف عن مرارة تعقبها حلاوة.
ويتحدد المعنى بحسب شدة المرارة ومدتها. فإن كانت خفيفة تزول سريعًا فقد تدل على أثر عابر يزول، وإن كانت شديدة طويلة فقد تدل على أمر يترك أثرًا. وإن زالت بشرب الماء فقد يعني ذلك أن في الصبر والدعاء والكلمة الطيبة ما يخفف أثر المرارة. وإن بقيت رغم كل محاولة فقد تعبر عن حزن يحتاج إلى معالجة حقيقية وحديث مع من يعين. وإن شعر بالمرارة في حلقه فقد يرتبط بكلام لم يُقل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن خشية من أن ينتهي أمر حلو بخيبة، أو عن تجربة عاطفية انتهت بمرارة. وقد يكون دعوة إلى التأني في الانخراط بما يبدو حلوًا ظاهرًا، وإلى النظر في عواقب الأمور. ومن اللطيف أن تتذكر أن المرارة قد تكون درسًا يزيد الوعي، وأن الله يعوض بالخير، وأن القلب يشفى بالدعاء والأنس بالأحبة.
وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى شعور بأن فرحة قد تعكرت بخلاف أو ضيق، أو إلى كلمة جارحة قيلت بعد كلام حلو. وللحامل قد يتصل بالإحساس بالغثيان أو تغير الطعم الذي يحدث لبعض الحوامل، وهو سبب جسدي شائع، فلا حاجة لإضفاء دلالة غيبية. وعليها أن تراجع طبيبتها إن كان الأمر يزعجها فعلًا. وليس في الحلم ما يخبر عن حالة الحمل.
وللرجل قد يرمز إلى صفقة بدت مربحة ثم ظهرت لها تبعات، أو إلى وظيفة حلوة المظهر ثقيلة الأعباء. وللتاجر قد يشير إلى بضاعة أو عقد حسن الظاهر تخفى فيه شروط، فيحسن به قراءة التفاصيل بدقة. والحلم لا يخبر عن وقوع شيء، لكنه يوقظ في النفس حاسة الانتباه، وهي فائدة عملية ينتفع بها أصحاب الأعمال.
ومن الدقائق: هل كانت المرارة في اللسان أم في الحلق أم في الصدر؟ فقد يميل الأول إلى الكلام، والثاني إلى الغصة، والثالث إلى الهم. وهل كان الرائي وحده؟ وهل تذوق السكر مرة واحدة أم كرر؟ فتكرار التجربة قد يدل على عودة إلى أمر مؤلم. وهل أعقبتها حلاوة جديدة؟ فهذا مؤشر على أن الأمر قد ينتهي إلى خير. وهل ساعده أحد بكوب ماء؟ فقد يعني عونًا قريبًا.
ومن الجانب النفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى النظر في العواقب قبل الاندفاع، وإلى فهم أن اللذة العابرة قد تكلف أكثر مما تعطي. وهو كذلك تذكير بأن الكلام الطيب ينبغي أن يرافقه فعل طيب، وأن الحلاوة الحقيقية هي التي لا يعقبها ندم. ومن العملي أن يكتب الإنسان ما يقلقه ويفكر في خطوة صغيرة لعلاجه، وأن يلجأ إلى الصبر والدعاء، فالمرارة التي لا تُفصح تتضخم، والتي تُحكى وتُعالج تهون.
ومن الدقائق أيضًا أن بعض الرائين يشعرون بالمرارة ثم يجدون في أيديهم سكرًا آخر يمحو أثرها، وهذا قد يُفهم على أن بعد الضيق فرجًا وبعد الجفاء مودة، وبعضهم لا يجد في المنام بديلًا فيبقى الأثر بعد الاستيقاظ. وفي كل ذلك ينبغي ألا نجعل تفصيلة واحدة هي ميزان الحكم، بل ننظر إلى مجمل الحلم وإلى ما في النفس من مشاعر. وقد يكون مجرد جفاف في الفم أو غبار في الغرفة هو السبب الأول.
وفي نهاية المطاف، يظل تأويل الأحلام اجتهادًا بشريًا ظنيًا، لا يصح أن يُنفذ به قرار في مال أو ارتباط أو سفر، والغيب لا يعلمه إلا الله. وإن كان في الحلم ما أحزنك فاعلم أنه قد يكون من أثر النفس أو من الشيطان، فاستعذ بالله ولا تحدث به أحدًا يزيدك همًا، وأحسن الظن بربك، واجعل الدعاء ملاذك وحسن الظن بالله زادك.
