قد يرى الإنسان في منامه حقلاً أخضر ممتداً من قصب السكر، تعلو سيقانه وتتمايل أوراقه، وقد يرى نفسه يتجول بين صفوفه أو يقطع منه عوداً ويمضغه فيجد حلاوته. وهي رؤيا جميلة المنظر، وغالباً ما تأتي عند من عاش قرب المزارع أو شاهدها في سفر أو صور. ومع جمال المشهد يبقى تأويله رمزياً ظنياً، لا يُحمل على ظاهره ولا يُجزم به. فهو إشارات عامة تصلح للتأمل، وقد لا يكون لها أثر في الواقع إطلاقاً.
يرمز قصب السكر إلى الحلاوة الكامنة في الجهد؛ فهو عود صلب لا يُنال منه الحلو إلا بالعصر والمعالجة. ومن هنا قد يُفهم الحقل على أنه رمز للخير الذي ينمو بالصبر، وللحلاوة التي تأتي بعد عناء ومثابرة. وقد يدل كذلك على سعة في الأرزاق وكثرة في الفرص إذا بدا الحقل كثيفاً أخضر. ويمكن أن يرمز إلى الأرض الخصبة بمعنى البيئة الصالحة للنمو من أسرة أو عمل أو صحبة. وكل هذه قراءات متعددة لا يتعيّن منها شيء إلا بسياق الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الزرع والحصاد في الرؤيا يدلان على عمل وثمرة بحسب حال الزرع، وأن الحلو في الجملة يدل على قول لين ومنفعة هنيئة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأرض الخضراء المثمرة ترمز إلى خير وبركة، وإن اختلف المفسرون في تحديد الجهة. وبناءً على هذا قد يُجمع بين الدلالتين فيقال إن حقل القصب يحمل معنى الخير الذي يتحقق بالعمل والصبر. وهذا جمع تقريبي، لا تقوم به حجة قاطعة، ولا ينبغي التعلق به.
وتتغير الدلالة بحسب حال الحقل. فإن كان القصب طويلاً أخضر قوياً فهو أقرب إلى معاني النماء والخير، وإن كان يابساً أو محترقاً أو متكسراً فقد يوحي بتعب أو بحاجة إلى عناية بشيء أهملناه. وإن كان الرائي يحصده فقد يدل على ثمرة قريبة لجهد سابق، وإن كان يزرعه فقد يدل على بداية مشروع صبور. وطعم القصب حين يمضغه مهم: إن كان حلواً فهو أقرب إلى البشرى، وإن كان مراً أو بلا طعم فقد يعكس خيبة صغيرة أو تعباً. ومن يملك الحقل يؤثر في المعنى كذلك.
وللفتاة غير المتزوجة قد تعكس الرؤيا جمال نفسها وطيب أصلها، أو رغبة في بيئة نقية هادئة، وقد تدل على صبر على أمر تنتظر ثمرته. ولا يصح أن تُفسَّر بأنها ستتزوج ابن مزارع أو غير ذلك. وللمرأة المتزوجة قد تدل على أسرة تنمو وتكبر ببركة الصبر، وعلى جهد تبذله في تربية الأبناء يؤمل منه خير. وللحامل قد يعبر الحقل عن النماء الذي يجري في جسدها وعن الأمل بمولود يحمل حلاوة الحياة، وهي معانٍ مطمئنة لا تقطع بنوع ولا بموعد.
وللرجل قد يشير الحقل إلى سعيه في كسب الرزق وتفكيره في مشروع طويل الأمد يحتاج صبراً، أو إلى أرض أو ملك يفكر فيه. وللتاجر أو المزارع الحقيقي قد يكون الحلم امتداداً لانشغاله اليومي بالزرع والموسم. وفي هذه الحالة فهو أقرب إلى المشاغل منه إلى الرموز. ومن كان في ضيق فقد تكون رؤيا الخضرة والنماء بلسماً لنفسه، يذكّره بأن بعد الجفاف ربيعاً، وبأن الله يبدّل الأحوال. وهذا من باب الرجاء وحسن الظن.
ومن الدقائق التي قد تُلاحظ: هل كان الحقل قريباً من ماء ونهر، فقد يرمز ذلك إلى سقاية الخير واستمراره. وهل كان الوقت صباحاً أم مساءً، فالصباح قد يحمل معنى البداية والأمل، والمساء قد يحمل معنى الحصاد والراحة. وهل كان الرائي وحده أم مع أهله؟ فمع الأهل قد يشير إلى مشروع مشترك أو خير مشترك. وإن شاهد حيوانات أو طيوراً في الحقل فقد تضيف ألواناً أخرى. وكل ذلك يخضع لاجتهاد الرائي دون إلزام.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد يعكس الحلم شوقاً إلى الطبيعة والهدوء والخروج من صخب المدينة، أو رغبة في عمل يؤتي ثماره بالتدريج. وفيه تذكير بأن الأمور الجميلة تحتاج وقتاً وصبراً، وأن العجلة لا تصنع حلاوة حقيقية. ومن المفيد أن يخصص الإنسان وقتاً للمشي في الهواء الطلق أو لرعاية نبتة صغيرة، فيجد في ذلك أنساً. وكذلك أن يتذكر شكر النعم الصغيرة التي تنمو في حياته دون أن ينتبه إليها.
وفي الختام، فتأويل هذا الحلم اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يكون مستنداً لقرار في أرض أو مال أو مشروع أو زواج. وخير ما يفعله من رآه أن يدعو الله بالبركة وأن يحسن الظن به، وأن يتابع سعيه بالأخذ بالأسباب. فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما نراه من رموز نتأمله ثم نكل أمره إلى ربنا.
