قد يرى النائم سكرًا مختلف الألوان، حباته وردية وخضراء وزرقاء وصفراء كأنها أحجار كريمة صغيرة، تتلألأ في وعاء أو على مائدة احتفال. وهذا الحلم محبب إلى النفس لما فيه من بهجة، وكثيرًا ما يرتبط عند من يراه بذكريات الأعياد والموالد والحلوى. وهو صورة رمزية لا حقيقة لها في اليقظة، ولا يصح أن يحمل أكثر مما يحتمل. والتأمل فيه يجمع بين معاني الحلاوة ومعاني التنوع في الألوان.
اللون في الرؤى يضيف إلى الأصل معنى التنوع والتعدد؛ فإذا كان السكر الأبيض رمزًا للحلاوة الصافية البسيطة، فالملون يوحي بحلاوة متعددة الأوجه: فرح متنوع، وأيام تختلف مباهجها، وربما نعم متفرقة تأتي من أبواب شتى. وقد يرمز إلى زينة الحياة ومتعها المباحة، وإلى حس الجمال والخيال. وفي المقابل قد ينبه إلى أن البهرجة تلفت الأنظار فينبغي ألا تنسينا الجوهر الصافي.
نُسب إلى بعض المفسرين أن الألوان في الرؤى لها دلالات، فالأخضر عندهم يميل إلى الخير والنماء، والأبيض إلى الصفاء، والأصفر إلى التعب أو التغير، والأحمر إلى الحرارة والعاطفة أو الحذر، وإن اختلفوا في كثير من ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحلو من الطعام دلالة على اللين والتيسير. وعليه فإن السكر الملون قد يجمع هذه المعاني في مشهد واحد، فيدل على تنوع في الأحوال والأفراح، مع التنبيه على أن الأمر ظني.
يتأثر المعنى بتفاصيل الألوان وكيفية ظهورها. فإن كانت الألوان متناغمة جميلة فهي أقرب إلى بهجة وتناسق، وإن كانت صارخة مفزعة فقد تدل على فرح مبالغ فيه أو مظاهر زائدة. وهل كان الرائي يصنع الألوان بنفسه؟ فقد يرمز إلى إبداع وتزيين لحياته، وهل أهداه إياها أحد؟ فقد يرمز إلى مودة وإكرام. وإن كانت الحبات صغيرة مثل الرمل الملون فقد يعني تفاصيل كثيرة صغيرة، وإن كانت بلورات كبيرة فقد تدل على نعم جلية.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن أحلام وردية وتطلعات مبهجة، أو عن أجواء مناسبات سعيدة قريبة، كحفلات الأهل والأصدقاء. وقد يرتبط بشخصية مرحة محبة للألوان والخيال. ومن المستحسن أن تستثمر هذا الإحساس الإيجابي في أعمالها وهواياتها، وأن تتذكر أن البهجة الحقيقية تنبع من الداخل ومن القرب من الله، لا من المظاهر فحسب.
وللمرأة المتزوجة قد يشير الحلم إلى أجواء احتفالية في الأسرة، أو إلى رغبتها في تجديد الحياة بلمسة من الفرح والتنويع. وإن كان معها أطفال يلعبون بالسكر الملون فهو قريب من حب الأمومة وبهجتها. وللحامل قد يعبر عن مشاعر السرور والترقب، من غير دلالة على جنس المولود، فأمره عند الله، وقد يتقاطع الحلم مع اهتمامها بتجهيز المولود وتزيين مكانه.
وللرجل قد يرمز إلى تنوع في الأرزاق أو أعمال متعددة تدر عليه، أو إلى مناسبة عائلية سعيدة. وللتاجر قد يشير إلى بضاعة متنوعة تلقى رواجًا، أو إلى حاجة السوق إلى التجديد في العرض. وينبغي أن يتذكر أن التنويع بلا تنظيم يشتت، وأن حسن الترتيب أساس نجاح التجارة، فلا يعتمد على الحلم بل على الدراسة والتخطيط.
ومن الدقائق: لون الغالب منها؛ فإن غلب الأخضر مال المعنى إلى الأمل، وإن غلب الوردي مال إلى العاطفة اللطيفة، وإن غلب الأزرق مال إلى الهدوء، وهذه ظنون تقريبية لا تُبنى عليها أحكام. وهل كان اللون ثابتًا أم يتغير؟ فتغيره قد يرمز إلى تقلب المزاج. وهل ذاب اللون على اللسان؟ فربما كان ذلك إشارة إلى زوال سريع للمظاهر. وهل اختلطت الألوان؟ فقد يرمز إلى تداخل الأمور.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر هذا الحلم عن حاجة إلى شيء من البهجة والتجديد في حياة صارت رتيبة، وعن شوق إلى الطفولة وبساطتها. ويمكن أن يكون دعوة إلى الاعتدال في الزينة، وإلى أن نمنح حياتنا ألوانًا من الأعمال الطيبة: زيارة، وهدية، وكلمة لطيفة، وصدقة. فبهذا تصير الألوان حقيقية في حياة من حولنا لا مجرد صور في المنام، ويتحقق ما في الحلم من معنى جميل.
ومن الطريف أن بعض الرائين يلاحظون أن الألوان في الحلم لا تتبدل حين يأكلون السكر، وفي ذلك قد يُفهم ثبات الفرح؛ وآخرون يلاحظون أن الأيدي تتلون بصبغاتها، وهذا قد يشير إلى أثر يظهر على المرء من صحبة أو عمل. فتفاصيل الأثر والمشاعر هي ما يضيء المعنى. ولا بأس أن يدوّن الرائي ما يتذكره بسرعة بعد الاستيقاظ، فالذاكرة تنسى التفاصيل، وفي التدوين ما يعين على تأمل صادق.
وفي ختام الحديث، فإن تفسير الرؤى اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار في أمر من أمور الحياة، لا في مال ولا في زواج ولا في سفر. فعلم الغيب لله وحده، وما نقوله هنا من باب التأمل. فإن رأيت ما يسرك فاحمد الله على نعمته، وإن رأيت ما يقلقك فادعه واستعذ به وأحسن الظن به، ثم اعمل بما تيسر من الأسباب.
