مكعبات السكر البيضاء المنتظمة تذكّر كثيرين بفناجين الشاي في المقاهي والفنادق وبمجالس الضيافة الراقية، حيث تُقدَّم قطعة أو قطعتان إلى جانب الكوب. وحين يراها النائم في منامه، متراصة في علبة أو متناثرة على صحن أو مرفوعة بملقط صغير، فإن شكلها الهندسي المنظم يلفت النظر. ومع ذلك يبقى تأويلها قراءة رمزية احتمالية لا حكمًا، فربما رأى الإنسان هذه المكعبات لأنه شاهد مشهدًا مشابهًا قبل نومه.
مكعب السكر يمثل حلاوة مقسّمة جاهزة، كل قطعة منها وحدة مستقلة تكفي لكوب واحد. ولذلك قد يُقرأ الحلم على أنه إشارة إلى توزيع الخير بالقسط والنظام، أو إلى رزق يأتي على دفعات متساوية منتظمة. كما أن الشكل الهندسي الصلب يوحي بالترتيب والدقة والانضباط، فقد يرمز إلى أن الحلاوة في حياة الرائي تتطلب ضبطًا وإدارة. ويرتبط المكعب كذلك بالضيافة الأنيقة والحرص على الذوق، وهذه كلها احتمالات لا غير.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحلو المقطّع المرتب في الرؤيا قد يدل على رزق معلوم القدر أو معاملة منتظمة، وذهب بعض المفسرين إلى أن تقسيم الشيء إلى قطع قد يشير إلى توزيع أو تجزئة نصيب. وجاء عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يلمح إلى مثل هذه المعاني. ولا ننسى أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك، وأن نسبة الأقوال إليهم تحتاج إلى تحقق، فنحن نتناول المنقول بحذر ونستأنس به فقط ولا نعده قاعدة جامدة.
ويتغير المعنى بتغير الحال. فإذا كانت المكعبات سليمة متراصة فذلك أقرب إلى النظام والاستقرار. وإذا كانت مكسورة مفتتة فقد يرمز إلى تفكك في ما كان منظمًا أو إلى نعمة تتشظى قبل استعمالها. وإذا كانت رطبة ملتصقة فقد توحي بتعثر في توزيع الخير. أما إذا وُضعت قطعة واحدة في الكوب وذابت بهدوء فقد يدل على اعتدال وقناعة، وإن وُضعت قطع كثيرة فقد يرمز إلى إسراف في طلب الراحة أو مجاملة مفرطة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم رمزًا لضيافة أنيقة أو لقاء مرتب قد تشهده، وربما إلى حرصها على الأناقة والترتيب في أسلوب حياتها. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى حسن ترتيب بيتها واستقبال ضيوفها، وللحامل قد يرمز إلى رغبتها في الانتظام والراحة في هذه المرحلة الخاصة. وكل ذلك تأمل رمزي ظني، لا يجوز أن يُبنى عليه تصرف أو اعتقاد قطعي.
وللرجل قد يرمز الحلم إلى حضور اجتماع رسمي أو ضيافة رسمية، أو إلى نظام في إدارة أمواله وشؤونه. وللتاجر قد يعكس اهتمامه بتقسيم الأرباح أو توزيع البضاعة على دفعات منظمة، أو بالجودة في تقديم الخدمة للعملاء. وقد يكون في الحلم تذكير بأن النظام والتقسيم الحسن من أسباب البركة في المال، لكن هذا معنى عام لا يغني عن التخطيط العملي ولا يمنح ضمانًا بنتيجة مضمونة.
ومن الدقائق التي قد تؤثر في القراءة: عدد المكعبات، فالقليل يوحي بالاعتدال والكثير بالوفرة. وطريقة تقديمها، فالملقط أو الملعقة يدل على أدب ونظافة، واليد المجردة على تساهل. وهل كانت في علبة فاخرة أم في كيس بسيط؟ ومن قدّمها للرائي أو قدّمها هو لغيره؟ فتقديمها لغيره قد يرمز إلى كرم وحسن ضيافة. وهل سقطت منه مكعبات؟ فالسقوط قد يلمّح إلى شيء من الغفلة، وجمعها إلى تدارك.
ومن الناحية النفسية قد يعبر الحلم عن حب الرائي للنظام والتفاصيل المرتبة، أو عن حاجة إلى ضبط جزء من حياته بعد فوضى، فالمكعب شكل مستقر مطمئن. وهو دعوة إلى توزيع الجهد والوقت والمصروف بنظام بسيط، دون إفراط ولا تفريط، فمن حسّن توزيع أمره خفّ عنه الكثير من الضغط. وفي هذا المعنى حكمة يومية تنفع الناس جميعًا، سواء كان المنام رمزًا أم مجرد صدى لحياة مألوفة.
ولعل المكعبات تحمل كذلك معنى الذوق في الضيافة، فمن قدّم لضيفه شايًا ومعه مكعب سكر مرتب أشعره بالتقدير، وهذه التفاصيل الصغيرة تبقى في الذاكرة. وقد يكون الحلم تذكيرًا بأن العناية بالتفاصيل الصغيرة في معاملة الناس جزء من حسن الخلق الذي يقرّب القلوب.
ويلاحظ أن بعض الناس يربطون المكعبات بذكرى جدٍّ كان يضع قطعة سكر في فمه ويشرب الشاي من الصحن، وهي عادات قديمة ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية. فإذا كان للرائي مثل هذه الذكرى فإن الحلم قد يكون عودة هادئة إلى زمن بسيط جميل، وفي ذلك دفء وبركة لا تحتاج إلى تأويل آخر.
وفي الختام فإن تفسير مكعبات السكر اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار يمس مالًا أو علاقة. ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يكرهه فليدعُ ربه ويحسن به الظن. فعلم الغيب لله وحده، وهو سبحانه أعلم بما يصلح عباده، وما نحن إلا نتأمل ونسعى ونرضى بما يقسمه لنا.
