قد يرى المصاب بداء السكري في منامه السكر، فيرى نفسه يأكل منه أو يضعه في كوب أو يتناول حلوى كان يحبها، وربما يستيقظ وفي نفسه شيء من القلق أو الذنب. وأول ما ينبغي أن يُقال بكل وضوح ولطف أن هذه الرؤيا لا تدل على شيء في حالته الصحية، ولا تعني أن مستوى السكر لديه قد ارتفع أو انخفض، ولا تغني ولا تعارض ما يوصيه به طبيبه. فالأحلام ليست أداة قياس ولا تشخيص. أما تأويلها الرمزي فهو ظني لا يُحمل على ظاهره، وقد يكون مجرد اشتياق مفهوم لطعم ابتعد عنه.
كثير ممن يلتزمون بحمية صارمة يرون في أحلامهم الأطعمة التي منعوا منها، وهذا أمر معروف ومألوف، فالنفس تشتاق إلى ما قُيّدت عنه. فرؤية السكر في هذه الحالة لا تحمل سراً، ولا ينبغي أن يشعر الرائي بالذنب أو الضعف بسببها. وهي علامة على أنه إنسان عادي له رغبات وذكريات، وأنه يبذل جهداً في الالتزام. ومن اللطف أن يتعامل مع حلمه بابتسامة بدل الحرج، وأن يذكّر نفسه بأنه يعتني بصحته ويتعب في ذلك وهذا يستحق التقدير.
أما من الناحية الرمزية العامة فالسكر في الرؤى يرمز إلى الحلاوة وطيب الكلام ويسر العيش. ولمريض السكري قد يُقرأ ذلك على أنه رغبة في راحة وحلاوة في الحياة لا تتعارض مع صحته، كالأنس بالأحبة وحسن الصحبة وكلمة الرضا. فالحلاوة ليست حكراً على الطعام. وقد يكون في الحلم إشارة إلى أن بوسعه أن يجد في أيامه مصادر فرح كثيرة غير السكريات. وهذه قراءة معنوية لطيفة، لا تقطع بشيء ولا تتضمن أي توجيه صحي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحلو في المنام يدل على قول لين ومنفعة هنيئة، وأن حال الرائي له أثر في الحكم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ربط الحلو بالسرور والبشرى، وإن اختلف المفسرون في ذلك ولم يتفقوا على أمر مطرد. وليس في كلام هؤلاء ما ينص على أحوال أصحاب الأمراض المعاصرة بعينها، فهذه أمور حديثة. ولذلك فمن الأفضل أن يؤخذ الكلام على أنه استئناس عام، وألا يُنزل على حالة صحية بأي حال من الأحوال.
وتتغير الدلالة بتفاصيل الحلم. فإن أكل الرائي السكر بتلذذ ثم استيقظ مرتاحاً فقد يكون ذلك تفريغاً لرغبة مكبوتة. وإن أكل منه ثم شعر بالقلق أو الخوف فقد يعكس حرصه الشديد على الالتزام وخشيته من الخطأ. وإن رأى غيره يقدم له الحلوى فقد يرتبط بمواقف اجتماعية يحرجه فيها الرفض. وإن رأى السكر دون أن يأكله فقد يعبر عن قدرته على الصبر. وكل هذه تأملات نفسية قبل أن تكون تأويلات غيبية، وتفيد في فهم الإنسان لنفسه.
وفيما يخص الصحة تحديداً، ينبغي التأكيد أن مرجع الغذاء والدواء ومتابعة الفحوص هو الطبيب المعالج أو أخصائي التغذية، وأن على المريض ألا يغير شيئاً من خطته بسبب حلم. فلا يزيد من السكريات إن رأى حلواً، ولا يتوقف عن العلاج إن رأى ما يطمئنه. الاستمرار في الالتزام بالإرشادات الطبية هو الطريق الأسلم، وهو أيضاً من الأخذ بالأسباب الذي يأمر به الدين. ومن سأل أهل الاختصاص فقد أحسن، ومن ترك الأمر لوهم الحلم فقد ظلم نفسه.
وللمريضة التي ترى السكر في منامها وهي تحرص على تنظيم غذائها قد يكون الحلم صدى لمناسبات اجتماعية أو أعياد تزدحم فيها الحلوى فتشق عليها المقاومة. وللأب المريض الذي يرى أبناءه يتناولون الحلوى قد يعبّر الحلم عن حنين إلى بساطة الأيام الماضية. وللصغار المصابين بالسكري من النوع الأول قد يكون الحلم تعبيراً عن شعورهم بالاختلاف عن أقرانهم، وهذا يستحق عناية ودعماً من الأسرة والمختصين. وفي كل ذلك فالعطف والتفهم أنفع من أي تفسير.
ومن الدقائق: أين كان المريض في حلمه؟ إن كان في عرس أو مناسبة فهو يعبر عن ضغط اجتماعي، وإن كان في بيته فهو يعبر عن عادات يومية. وهل كان يشعر بالسعادة أم بالذنب؟ فهذا يخبر عن مشاعره تجاه الحمية أكثر من أي رمز. وإن رأى بدائل أخرى مثل المحليات فقد يرتبط بما اعتاد على استخدامه. ومن المفيد أن يتحدث عن هذه المشاعر مع طبيبه أو مع جماعة دعم، فكثيراً ما يخفف الكلام شيئاً من ثقل الالتزام الدائم.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد يكون هذا الحلم فرصة للثناء على النفس لصبرها ومثابرتها، وللتفكير في طرق صحية لإدخال الحلاوة إلى الحياة: نزهة قصيرة، أو لقاء بصديق، أو دعاء هادئ، أو نشاط يحبه. وقد يكون دافعاً إلى طلب وصفات مناسبة لحالته من أخصائي التغذية، فتتحول الرغبة إلى بدائل مأمونة. كما أن الاعتناء بالصحة النفسية جزء من العلاج، فلا ضير في أن يطلب الدعم النفسي إن شعر بثقل الأيام.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار يتعلق بالدواء أو الغذاء أو الصحة بأي شكل. والأولى لمن رأى هذه الرؤيا أن يدعو الله بالعافية، وأن يحسن الظن به سبحانه، وأن يلتزم بتوجيهات طبيبه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الشافي المعافي، ونسأله أن يلبس كل مريض ثوب الصحة والعافية وأن يرزقه الصبر والرضا.
