من الأحلام التي تثير الضيق أن يجد الرائي شخصًا يجبره على أكل السكر، يضع الملعقة في فمه أو يلح عليه ويصر ويضغط، وهو يقاوم ويحاول الإفلات. وهذا المشهد قد يوقظ صاحبه وهو مضطرب، لأن الإحساس بالإكراه ثقيل على النفس. وهو في ظاهره غريب، إذ يُفترض أن السكر شيء محبب، ومن هنا تأتي مفارقته. ونحاول فهمه على سبيل الرمز لا الحقيقة.
السكر في الأصل رمز للحلاوة والخير، فإذا قُدّم بالإجبار تحولت الدلالة إلى حلاوة مفروضة: عرض لا يملك الرائي رفضه، أو مجاملة اجتماعية يُلزم بها، أو نعمة تأتي بشروط، أو كلام معسول يُراد به استمالته. وقد يعبر عن شعور بأن أحدهم يحاول التأثير في قراراته بإغراء أو إلحاح. كما قد يعكس ضغطًا نفسيًا لإظهار السعادة والرضا وهو غير مرتاح. فالإجبار هو مفتاح الحلم لا السكر وحده.
نُسب إلى بعض المفسرين أن الإكراه على الطعام في الرؤيا قد يدل على أمر يُفرض على الرائي أو رزق يأتيه من غير اختياره، وأن النظر إلى من أكرهه وحاله مهم في التأويل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحلو يدل على لين ويسر، فإن جاء بإكراه فقد يدل على لين مصطنع أو يسر مشروط. وهذه مجرد قراءات اجتهادية قد يخالف فيها غيرهم، فلا تُتخذ حكمًا.
يختلف المعنى بحسب من أجبره: فإن كان قريبًا محبًا كأم أو زوج فقد يعبر عن حرص زائد أو إلحاح من باب المحبة، وإن كان غريبًا مجهولًا فقد يعبر عن ضغط من جهة غير معروفة، وإن كان مديرًا أو صاحب سلطة فقد يعبر عن ضغط في العمل. وإن ابتلع الرائي السكر مرغمًا فقد يعبر عن استسلام لأمر، وإن بصقه أو قاوم حتى نجا فقد يعبر عن قدرة على الرفض. وإن طاب له طعمه بعد الإكراه فقد يدل على خير في ما لا يحب.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن ضغط من أهل أو أصحاب لقبول أمر ما، أو عن كلام معسول يُلقى عليها بإلحاح. وليس في الحلم ما يدل على سوء نية أحد، وإنما هو تعبير عن شعورها. ومن الجيد لها أن تتدرب على قول لا بلطف، وأن تعلم أن لها حق الاختيار في أمور حياتها، وأن تشاور أهلها الثقات وتستخير الله في أمورها المهمة.
وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى ضغط من مجاملات أسرية أو ضيافات لا ترغب فيها، أو إلى إلحاح من أقارب في أمر ما. وللحامل قد يعكس شعورها بكثرة النصائح والإلحاح عليها بالطعام والراحة، وهذا مألوف في هذه الفترة. ولا ينبغي أن يؤخذ من الحلم أي دلالة على الحمل أو الجنين، وعليها أن تتبع إرشادات طبيبتها وتلتمس الهدوء.
وللرجل قد يرمز إلى ضغط في العمل أو التزامات مالية مفروضة، أو إلى عرض تجاري لا يرتاح له. وللتاجر قد يشير إلى مورد يلح عليه بصفقة أو بضاعة، ومن الحكمة ألا يستجيب لأي إلحاح قبل أن يتأنى ويحسب. وليس الحلم نبوءة بخسارة، لكنه تذكير بأن القرارات التجارية تؤخذ بهدوء لا تحت الإكراه والإغراء.
ومن الدقائق: هل كان الإكراه بالقوة أم بالإلحاح اللطيف؟ فالأول يدل على ضغط شديد، والثاني على مجاملة. وهل كان الحاضرون يشاهدون؟ فقد يدل على ضغط اجتماعي. وهل كان السكر قليلًا أم كثيرًا؟ فالكثير يدل على ثقل الأمر. وهل شعر الرائي بالاختناق؟ فقد يعبر عن توتر مكبوت. وهل استيقظ قبل أن يبتلع أم بعد؟ فكلها قرائن تلقي ضوءًا على موقف الرائي النفسي.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر هذا الحلم عن حاجة إلى وضع حدود صحية في العلاقات وعن شعور بالتعدي على الإرادة. ويمكن أن يكون دعوة إلى تعلم الحزم المهذب، وإلى حسن اختيار الصحبة، وإلى عدم الانخداع بالكلام الحلو الذي يخفي إلحاحًا. وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يبالغ الإنسان في الشك بمن يحبونه، فكثير من الإلحاح نابع من حب صادق وكرم، وقد يكون من الأفضل الإفصاح عن الشعور بهدوء.
ومن الظلال المحتملة أيضًا أن يكون المُجبِر شخصًا متوفى أو بعيدًا، فيدل ذلك على صلة مشاعر بالذكريات لا أكثر، وأن يكون طفلًا يلح بمرح، فيدل ذلك على براءة الإلحاح ولطفه. وقد يكون الإكراه من الرائي لنفسه، فيرمز إلى إجبار النفس على التظاهر بالفرح. وما دام الحلم احتمل هذه الوجوه كلها فالأولى أن يسأل الرائي نفسه عما يجبره على شيء لا يريده في حياته الآن.
وفي الختام، فإن تفسير الرؤى اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في أمور العمل أو المال أو العلاقات، ولا يُتهم به أحد. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قلناه من باب التأمل. فمن أزعجه الحلم فليستعذ بالله ويدعُ بالخير، وليحسن الظن بربه، ثم يمضي في أمره بالتأني والاستشارة والتوكل.
