يحدث أن يرى الإنسان في منامه صحراء واسعة ممتدة، رمالها صفراء وسماؤها صافية، ثم يجد فيها السكر، إما مبعثرًا على الرمال كأنه جزء منها، أو في كيس تركه أحدهم، أو في واحة صغيرة. هذا المشهد يحمل تناقضًا لافتًا بين قسوة المكان وحلاوة الشيء الموجود فيه، وهو تناقض يستوقف الرائي حين يستيقظ. وكما هو الحال في كل الرؤى، فالمقصود به معنى رمزي لا خبر حرفي عن أرض أو مال. ولذا نعرض ما قيل في دلالاته بشيء من الحذر والتأمل.
الصحراء في عالم الرؤى كثيرًا ما تُقرن بالخلوة والاختبار والعزلة، وبالمرحلة التي يقل فيها الأنيس والزاد. أما السكر فهو رمز الحلاوة واللين والفرج. فوجود الحلو في موضع الجفاف قد يرمز إلى يسر يأتي في وقت شدة، أو إلى معنى جميل يُكتشف في زمن العزلة، أو إلى كلمة طيبة تهبط على القلب حين يحتاجها. وهذه الصورة ترد في وعي الناس بوصفها رمزًا للأمل في موضع لا يُتوقع فيه، وهو معنى لطيف يمكن أن يعين الإنسان على الصبر.
نُسب إلى ابن سيرين أن البرية والقفر قد تدل على سفر أو مشقة أو خلوة بحسب حال الرائي وما معه. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما وُجد في الأرض الخالية من متاع طيب قد يدل على رزق غير متوقع. ويُنقل عن النابلسي في الحلو من الطعام أنه يشير إلى لين وتيسير، وإن اختلف المفسرون في تفصيل كل ذلك. فإذا جمعنا هذه الإشارات قيل إن المنام قد يعني تيسيرًا بعد مشقة، لكنها قراءة تقريبية لا تفرض على كل رائي.
من العوامل المؤثرة حال الرائي في الصحراء: هل كان عطشان متعبًا أم مطمئنًا يتأمل؟ فإن كان متعبًا فوجود السكر قد يرمز إلى زاد قليل يعينه على المسير، وإن كان مطمئنًا فقد يرمز إلى أنس في الوحدة. وإن كان السكر مدفونًا في الرمل يحتاج إلى حفر فقد يشير إلى خير يستخرجه الصبر والجهد، وإن كان ظاهرًا على السطح فهو أقرب إلى رزق مفاجئ. وإن ذاب السكر في حر الشمس فقد يرمز إلى فرصة تحتاج إلى أخذ بسرعة قبل ضياعها، وإن بقي ثابتًا فهو نعمة مستقرة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر المنام عن مرحلة وحدة أو انتظار تشعر فيها بالفراغ، ويأتيها في خلالها أمل لطيف أو كلمة تؤنسها. وإن رأت معها رفيقًا يتقاسم السكر فقد يُفهم ذلك على مودة تنشأ في وقت شدة، دون أن يعني شخصًا معينًا. ومن المفيد لها أن تستثمر مراحل الوحدة في تقوية نفسها وتنمية مهاراتها وعلاقتها بربها، فهذه الخلوات قد تكون من أحلى ما يمر في العمر وإن بدت جافة.
وللمرأة المتزوجة قد يشير المنام إلى أيام من الجهد والتعب في تدبير البيت تتخللها لمسات حلوة، من كلمة طيبة من الزوج أو مودة من الأبناء. وللحامل قد يرمز إلى مشاعر التعب والانتظار التي تصحبها لحظات فرح وطمأنينة، وهو توصيف نفسي أكثر منه استشرافًا، فلا يقال منه شيء عن مجريات الحمل أو الولادة وهي بيد الله. وتحسن بها الراحة والاستشارة الطبية عند أي قلق حقيقي.
وللرجل قد يدل على مرحلة كد وسعي يجد فيها ما يخفف عنه، أو على رزق يأتي من طريق غير مطروق. وللتاجر قد يشير إلى سوق راكدة تظهر فيها فرصة صغيرة حلوة ينبغي الإمساك بها بحكمة. ومن لا يملك إلا القليل قد يرى في المنام رسالة أن القليل يكفي إذا بورك فيه. وليس في هذا إلزام بتفسير واحد، فالرائي أعلم بحاله وما يمر به من ظروف.
ومن الدقائق التي ينظر إليها لون الرمال وهدوء الريح؛ فالرياح العاتية مع السكر قد تشير إلى حلاوة يحيط بها قلق، والجو الهادئ يشير إلى طمأنينة. ووجود قافلة أو بئر أو شجرة قد يعني أن العون قريب، أما الغياب التام للمعالم فقد يعني أن الرائي يشعر بالحيرة وقلة التوجيه. وإن كان السكر في وعاء جميل فربما دل على نعمة مصونة، وإن كان في كيس ممزق فقد يدل على شيء يتسرب من اليد إن لم يُحفظ.
ومن الناحية النفسية قد يعبر المنام عن حاجة الرائي إلى لحظة حلوة وسط ضغط الحياة، أو عن إدراكه أن في أصعب الظروف شيئًا يمكن الامتنان له. ويمكن أن يكون دعوة إلى الاعتدال في الزاد وعدم التبذير حين تشتد الظروف، وإلى حسن الكلام مع من يشاركه الطريق. ومن الحكمة أن يسأل نفسه: ما الذي يمنحه في حياته شيئًا من الحلاوة؟ ثم يحرص عليه ويشكره.
وفي نهاية الحديث، لا بد من التأكيد على أن تفسير الرؤى اجتهاد بشري ظني، قد يوافق الواقع وقد يخالفه، ولا يجوز أن يُتخذ سندًا لقرار حقيقي في شأن مال أو سفر أو عمل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما نقرؤه من رموز هو محاولة فهم لا أكثر. فاحمد الله إن رأيت خيرًا، واستعذ به إن رأيت ما يكدرك، وأحسن الظن بربك، ثم خذ بالأسباب وتوكل عليه.
