يظهر السكر في كثير من الأحيان في المنام داخل برطمان زجاجي أو علبة محكمة الغطاء، ويكون ذلك على رف المطبخ أو في الخزانة أو على الطاولة. وهذا المشهد يوحي بالترتيب والصيانة والحرص على حفظ النعمة، ويختلف في دلالته عن السكر المنثور أو المكدس في أكياس. ومع ذلك يظل التأويل قراءة رمزية احتمالية لا أكثر، فقد يكون الحلم مجرد صورة مألوفة من حياة النائم اليومية، ولا ينبغي أن يُحمَّل ما لا يحتمل.
البرطمان وعاء يحفظ ما فيه ويظهره في آن واحد، فالزجاج يكشف المحتوى والغطاء يصونه من الرطوبة والحشرات. وحين يكون السكر داخله فإن الحلم قد يُقرأ على أنه نعمة محفوظة بإحكام، أو حلاوة منظمة تُستعمل بقدر. وقد يرمز كذلك إلى الاعتدال في الانتفاع، إذ لا يتناول المرء منه إلا ملعقة بعد ملعقة، فيدوم ويكفي. وهذه كلها دلالات احتمالية، تتغير بحسب حال الرائي والتفاصيل الأخرى في الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأوعية المحكمة التي تحوي طيبًا في الرؤيا قد تدل على صيانة الرزق وحسن حفظه، وذهب بعض المفسرين إلى أن الوعاء يرمز إلى الجهة أو الشخص أو الوسيلة التي تحمل الخير. وجاء عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يقرب من هذا المعنى. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافًا يدعو إلى الحذر، ولا يصح أن نجعل من هذه الأقوال قواعد جامدة، بل ننظر إليها كاجتهادات تُستأنس بها ولا تُلزم.
ويتغير المعنى بتغير حالة البرطمان. فإذا كان نظيفًا شفافًا والسكر ناصعًا جافًّا فذلك أقرب إلى سلامة الحال. وإذا كان الغطاء مفقودًا والسكر معرضًا للهواء فقد يعكس نعمة غير محمية جيدًا، وإن كان الزجاج مشروخًا أو مكسورًا فقد يلمّح إلى خلل في وسيلة الحفظ. وإن كان السكر قد تحجّر في قاع البرطمان فقد يرمز إلى خير طال تركه دون استعمال، وإن كان البرطمان ممتلئًا حتى حافته فقد يعبر عن وفرة، وإن كان شبه فارغ فقد يعبر عن قرب النفاد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم رمزًا لحرصها على صون نفسها وسمعتها ونعمها الصغيرة، وربما لاستعدادها لتأسيس مطبخها وبيتها يومًا ما. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى حسن تدبيرها وترتيبها لبيتها، وللحامل قد يعبر عن رغبتها في الأمان والتنظيم والاستعداد. ومن اللطائف أن النساء كثيرًا ما يرتبطن عاطفيًّا بأواني المطبخ، فقد يكون الحلم انعكاسًا لذلك الارتباط، ولا يتعدى ذلك إلى غيب.
وللرجل قد يرمز إلى حفظه لما يملك وإلى حرصه على إدارة مدخراته بعناية، وللتاجر قد يعكس اهتمامه بجودة التغليف والحفظ والعناية بسلعته. وربما يلمّح إلى أهمية وضع كل شيء في مكانه الصحيح وتأمين البضاعة من التلف. ومع ذلك فإن هذا لا يتجاوز كونه إسقاطًا رمزيًّا، ولا يغني التاجر عن الفحص الواقعي والمتابعة، فالأسباب العملية هي الأصل وليس المنام.
ومن الدقائق التي قد تؤثر في القراءة: لون الغطاء وشكله، وحجم البرطمان، وهل هو قديم موروث أم جديد مشترى. فالبرطمان القديم قد يستدعي ذكرى بيت الأهل ودفء الماضي، والجديد قد يوحي ببداية مرحلة. وهل كان الرائي يفتح الغطاء أم يغلقه؟ فالفتح قد يرمز إلى استعمال الخير، والإغلاق إلى حفظه. وهل كانت الملعقة موجودة بداخله؟ فوجودها يوحي بجاهزية الانتفاع، وغيابها بتأجيل أو عدم استعداد.
وفي الجانب النفسي قد يعكس الحلم رغبة في ضبط الأمور وحفظ النظام في الحياة، فالنفس تطمئن إلى ما هو مرتب ومحكم. وهو دعوة لطيفة إلى أن يعتني الإنسان بأشيائه ونعمه الصغيرة فلا يهملها، وأن يحفظ كلمته الطيبة ولا يبذلها في غير موضعها، وأن يوازن بين الظهور والستر. فللحلاوة آداب في الحفظ كما أن لها آدابًا في الاستعمال، ومن راعاها دامت له نعمتها.
وقد يتذكر بعض الناس عند رؤية البرطمان طفولتهم ومطبخ جدتهم الذي كانت فيه الأوعية القديمة تحفظ كنوزًا بسيطة، فيكون الحلم حنينًا مباركًا. ومن شعر بذلك فليحمد الله على ما مضى من النعم وليدعُ لمن رحل من الأحبة بالرحمة، فهذا أحسن ما يُستفاد من هذه الذكريات.
وفي الختام، فإن تفسير السكر في البرطمان اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار في شأن مالي أو شخصي. ومن رأى ما يحب فليحمد الله، ومن رأى ما يكره فليدعُ ربه ويحسن الظن به ولا يلتفت إلى الوساوس. فعلم الغيب لله وحده، ومن توكل عليه كفاه، وما على الإنسان إلا أن يسعى ويرضى.
