المطبخ قلب البيت النابض، وفيه تتجمع الروائح والأصوات والأحاديث الصباحية، وحين يرى الإنسان السكر في المطبخ في منامه فإنه يرى شيئًا عاديًّا في مكان عادي، لكن اجتماع الاثنين يمنح الحلم طابعًا بيتيًّا دافئًا. وقد يرى النائم السكر على الرف أو بجوار الموقد أو في وعاء على الطاولة وهو يتحرك بين الأواني. وهذا كله يبقى قراءة رمزية احتمالية لا يقين فيها، فقد يكون مجرد انعكاس لما نراه كل يوم في بيوتنا.
المطبخ في الرموز المنامية يرتبط بالرزق والتدبير والعناية بالأهل، فهو مكان إعداد الغذاء وتحويل المواد الخام إلى ما يؤكل ويُشرب. والسكر فيه يشير إلى حلاوة متاحة ضمن أسباب المعيشة اليومية، لا حلاوة استثنائية في مناسبة بعيدة. فكأن الحلم يلتفت إلى النعم القريبة المعتادة، وإلى الدفء الذي يصنعه الاهتمام بتفاصيل البيت. وقد يرمز كذلك إلى انسجام في العلاقات الأسرية يتجلى في الأعمال الصغيرة المتكررة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الطعام والمؤن في البيت قد تدل على سعة وبركة بحسب ما يُرى منها، وذهب بعض المفسرين إلى أن وجود الأشياء الطيبة في موضعها يدل على استقرار الأحوال. وجاء عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يقارب هذا المعنى العام. غير أن المفسرين اختلفوا في كثير من الجزئيات، ولا يستقيم أن نعتمد على أقوال منقولة دون تحفظ، فالحلم يُنظر إليه في ضوء حال صاحبه وبيئته وعاداته.
ويختلف المعنى بحسب حال المطبخ والسكر معًا. فإذا كان المطبخ نظيفًا مرتبًا والسكر في وعائه فذلك أقرب إلى النظام والراحة في أمور البيت. وإذا كان المطبخ مزدحمًا فوضويًّا والسكر مبعثرًا فقد يعكس انشغال الذهن بتفاصيل كثيرة. وإن كان السكر قرب النار أو الحرارة العالية فقد يوحي بحلاوة تتأثر بالضغط، وإن كان قرب الماء الجاري فقد يخشى عليه الذوبان، وهذه كلها رموز لطيفة لا تحتمل الجزم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون السكر في المطبخ رمزًا لاستعدادها لدور تدبير شؤون بيتها المستقبلي أو مساعدتها لأسرتها، وقد يعبر عن علاقة طيبة مع أمها أو أهلها. وللمرأة المتزوجة قد يدل على دفء بيتها وحسن تدبيرها، وللحامل قد يرمز إلى استعدادها الروحي والعملي لاستقبال طفلها، وقد يرتبط باشتهاء الحلو. وكل هذا تأمل محتمل لا يُبنى عليه جزم.
وللرجل قد يشير الحلم إلى اهتمامه بشؤون الأسرة وإلى رغبته في إدخال السرور على بيته، وربما إلى مشاركته في أعمال البيت. وللتاجر قد يرمز إلى استقرار الجانب المنزلي من حياته واطمئنانه على أسرته، وهو ما ينعكس على أدائه في العمل. فالبيت الهادئ عون على الكسب، والتاجر المطمئن في بيته أقدر على اتخاذ القرارات الرشيدة. ومع ذلك فهذا استنباط عام لا يعتمد على نص.
ومن الدقائق التي قد تغيّر القراءة: من كان في المطبخ مع الرائي؟ فوجود الأم أو الزوجة أو الأولاد يضيف معنى الأسرة والتعاون. وهل كان السكر ظاهرًا أم مخبوءًا في خزانة؟ فالظاهر يوحي بنعمة متاحة، والمخبوء بنعمة مدخرة. وما رائحة المطبخ؟ فرائحة الخبز أو الشاي توحي بالألفة، ورائحة الاحتراق قد تعكس توترًا. وما الإضاءة؟ فالنور الدافئ يوحي بالسكينة، والظلمة بالتردد أو الحيرة.
ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم إشارة إلى حاجة الرائي للدفء والأمان في بيئته الأقرب، وإلى أن أهم لحظات الحياة قد تكون في أبسط الأمكنة. فالمطبخ الذي تُصنع فيه كؤوس الشاي صباحًا يجمع الأهل ويمنحهم لحظات ودّ تستحق التقدير. ومن الحكمة أن يحرص الإنسان على اجتماع أسرته على الطعام وعلى طيب الحديث، فهذه الحلاوة لا تُشترى بمال.
وقد يفيد الرائي أن يستحضر أن ما نراه في المنام عن البيوت يتأثر بمزاجنا العام، فمن كان مرتاحًا رأى بيته مرتبًا مضيئًا، ومن كان متعبًا رآه مزدحمًا. ولذلك فالنظر في الحال النفسية يفيد أكثر من حفظ الرموز، وإصلاح ما يمكن إصلاحه في البيت واقعًا هو أفضل ما يُترجم به الحلم.
وكثيرًا ما يكون للأحاديث الصباحية في المطبخ أثر في ذاكرة الإنسان أكبر مما يظن، فهي لحظات يتبادل فيها أفراد الأسرة السؤال عن النوم والخطط والأحلام. ولعل الحلم بالسكر في هذا المكان يستحضر شيئًا من ذلك الدفء الذي يشتاق إليه القلب، خاصة لمن ابتعد عن أهله أو سافر للعمل، فيكون الحنين هو التفسير الأقرب.
وفي الختام فإن تفسير السكر في المطبخ اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار مصيري. ومن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يحزنه فليدعُ ربه ويحسن الظن به، وليعلم أن الرؤى لا تقدّم ولا تؤخر مما قدّره الله. فعلم الغيب لله وحده، وعلى العبد أن يأخذ بالأسباب ويرضى بما كتب الله له.
