قد يرى المرء في منامه سكراً في المسجد، كأن يجده في صحون توزَّع على المصلين، أو في أكياس صغيرة تُهدى عقب الصلاة، أو مبثوثاً في ركن من أركانه. وهي رؤيا هادئة الطابع، تجمع بين رمز الحلاوة ومكان يرتبط في القلوب بالسكينة والاجتماع على الخير. ومن الحكمة أن نبدأ بتذكير النفس بأن تأويل الأحلام باب رمزي ظني، لا يُجزم فيه بشيء ولا يُحمل على ظاهره. فما يُقال هنا هو من قبيل التأمل العام الذي قد يوافق حال صاحبه وقد لا يوافقه.
السكر في المنام يرمز في العموم إلى الحلاوة بأنواعها؛ حلاوة الكلمة وحلاوة الألفة وحلاوة الرزق الذي يأتي بلا مشقة كبيرة. وإذا ظهر في مكان محترم كالمسجد فقد يُفهم أن الحلاوة هنا معنوية أكثر منها مادية، كطمأنينة القلب وصفاء المعاملة وانشراح الصدر. ويمكن أن يُقرأ أيضاً على أنه إشارة إلى أنس بالصحبة الصالحة وإلى حسن الجوار. وإن بدا السكر مهملاً أو متسخاً في المكان فقد يُحمل على احتمال التنبيه إلى الاعتناء بنظافة النية والسلوك، لا على أمر مخيف.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحلو في الرؤيا يدل على كلام طيب ومنفعة سهلة، ونُقل عن غيره أن المساجد في المنام ترمز إلى أماكن الأمان والخير والاجتماع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى ما يقارب هذا المعنى، إذ يجعل الحلاوة في الأماكن الطيبة دالة على نفع حسن، وإن كان أهل الفن قد اختلفوا في تفصيل ذلك. والأولى ألا تُرفع هذه الآراء إلى مرتبة القواعد الملزمة، بل تُترك للاستئناس. وقد يختلف المعنى بحسب حال الرائي ومعارفه وبيئته ومجرى أيامه.
وتتغير الدلالة بتفاصيل المشهد: هل كان السكر يُوزع بلطف أم يُنثر بلا نظام، وهل كان الرائي يأخذه أم يقدمه، وهل المكان مزدحم أم هادئ. فتقديم السكر للمصلين قد يوحي بحب لإدخال السرور على الناس، وأخذه قد يوحي بنصيب طيب أو كلمة تنفع. ونقاؤه وبياضه يوحيان بصفاء القلب وخلوّ النية من الشوائب. أما إن وُجد في المسجد سكر ليس له صاحب فقد يُحمل على أنه خير يأتي من حيث لا يُحتسب، دون جزم بنوعه أو موعده.
وللفتاة غير المتزوجة قد تُقرأ الرؤيا على أنها طمأنينة نفسية وارتياح في صحبة صالحة تحيط بها، ولا يُفهم منها أمر محدد في الزواج. وللمرأة المتزوجة قد تدل على سكينة في بيتها ورغبة في أن يجتمع أهلها على الخير، وربما على كلمة طيبة تسمعها من قريب. وللحامل قد تكون الرؤيا تعبيراً عن حاجتها إلى الأمان والطمأنينة، وهذه من أجمل ما يمكن أن يُستشعر منها دون أن يُبنى عليه حكم.
وللرجل قد تشير الرؤيا إلى أنس بالرفقة الطيبة أو إلى حسن علاقته بجيرانه أو زملائه أو إخوانه. وإن كان يحمل همّاً فقد تكون الرؤيا رسالة تهدئة من النفس إلى النفس. وللتاجر قد يُفهم منها أن الصدق وحسن المعاملة مدخل لبركة نرجوها من الله، ولا ينبغي أن يظن أنها ضمان لربح. وفي كل ذلك يبقى الجزم ممنوعاً، والتفاؤل مباحاً، فالفرق بين الرجاء والقطع كبير.
ومن الدقائق التي قد تلفت النظر: شعور الرائي داخل المسجد؛ إن كان مطمئناً فهذا بحد ذاته من أحسن ما يُستأنس به، وإن كان قلقاً فقد يكون الحلم انعكاساً لانشغال في اليقظة. وكذلك الأشخاص الحاضرون: إن كانوا معروفين فقد تتصل الرؤيا بعلاقته بهم، وإن كانوا مجهولين فالمعنى عام. وإن كان السكر في المحراب أو قرب الباب أو في الصحن فلكل موضع إيحاء قد يجتهد فيه المعبّر، لكنه إيحاء ظني لا يقطع به.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد تشير هذه الرؤيا إلى حاجة الرائي إلى لحظات هدوء وصفاء بعيداً عن ضجيج الحياة، وإلى الرغبة في مجالسة الصالحين. وهي دعوة لطيفة إلى أن يكون لسانه حلواً مع الناس، وأن يسعى في إدخال السرور على غيره بما يستطيع، ولو بابتسامة أو سلام. ومن المفيد أن يجعلها حافزاً إلى المواظبة على أعمال الخير، دون الاتكال على الرؤى في تقدير شيء.
ومن اللطائف أن يتذكر الرائي أن المسجد في وجدان المسلم مكان تلتقي فيه القلوب قبل الأجساد، فإذا ظهر فيه رمز حلو فقد يكون ذلك من باب الاقتران بين السكينة والبهجة، لا أكثر. وقد يرى الإنسان هذا المشهد حين يكون مشتاقاً إلى جلسة ذكر هادئة أو إلى رفقة صالحة افتقدها، فتأتي الصورة لتواسيه. وليس من الضروري أن تحمل كل رؤيا رسالة، فبعض الأحلام لا تعدو أن تكون ترتيباً لذكريات وأشواق، وهذا بحد ذاته أمر طبيعي لا يستدعي البحث عن معنى خفي.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب، ولا يصح أن يُتخذ مستنداً لأي قرار حقيقي في الحياة. وأفضل ما يقابل به المسلم رؤياه أن يدعو الله ويحسن الظن به ويستمر في أعماله بأمانة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فمن اطمأن قلبه بذكره فقد وجد حلاوة لا تعدلها حلاوة.
