من الأحلام المرتبطة بتجارب الحياة اليومية أن يرى الرائي نفسه واقفًا في طابور طويل ينتظر دوره للحصول على السكر، والناس أمامه وخلفه، والشمس فوق الرؤوس، وهو يتأمل رف البقالة أو نافذة التوزيع. وقد يستيقظ وفي قدميه شعور بالتعب. وهذا المشهد مألوف في ذاكرة كثير من الأجيال التي عاشت أوقات الندرة، وهو يعود في الأحلام بصور متغيرة. وسنقرؤه رمزيًا مع التواضع في الحكم.
الطابور في الرؤى يرمز إلى الانتظار والصبر والدور الذي لا يُتخطى، وإلى المنافسة على نعمة محدودة وعلى حقوق تُوزَّع. فاجتماعه مع السكر قد يرمز إلى حلاوة تنتظر دورها، أو رزق لا يأتي إلا بعد انتظار، أو أمنية يتشارك فيها كثيرون. وقد يعبر عن شعور الرائي بأن حياته تسير ببطء وأن الفرج متأخر، أو عن حاجته إلى مزيد من الصبر. والمعنى يختلف بحسب شعوره: صبر هادئ أم ضيق.
نُسب إلى بعض المفسرين أن الازدحام والوقوف في الرؤيا قد يدل على انتظار حاجة وتأخر قضائها، وأن حصول المطلوب بعد الوقوف قد يدل على قضائها بعد مدة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحلو علامة لين ويسر، وإن اختلف المفسرون في التفاصيل. وعليه قد يُحمل المشهد على انتظار يسر يأتي بعد صبر، وهو قول ظني لا يُقطع به.
تتغير الدلالة بحسب موقع الرائي في الطابور وحال الناس. فإن كان في المقدمة فقد يدل على قرب الفرج، وإن كان في آخره فقد يدل على طول الانتظار، وإن كان الطابور منتظمًا هادئًا فقد يعبر عن عدل ونظام، وإن كان فوضويًا فقد يعبر عن تزاحم ومنافسة. وإن تخطاه أحد فقد يعبر عن شعور بالظلم أو بتفويت فرصة، وإن أعطاه أحد دوره فقد يعبر عن إكرام. وإن نفد السكر قبل وصوله فقد يعبر عن خشية من فوات نصيب، وإن وصل وأخذ فقد يعبر عن ثمرة صبر.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن انتظار نصيب أو فرصة عمل أو قبول جامعي، وعن صبر قد يطول. وليس في الحلم ما يحدد المدة ولا النتيجة، فالأمور بيد الله، وعليها أن تأخذ بالأسباب وتتحلى بالصبر الجميل وتحسن الظن بربها. ومن المفيد لها أن تشغل وقت الانتظار بما ينفعها: تعلم مهارة، وعمل نافع، وصحبة طيبة، وعبادة.
وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى انتظار أمر يخص الأسرة، كإجراءات أو أقساط أو قبول أحد الأبناء في مدرسة أو غير ذلك، أو إلى مسؤوليات تنتظر دورها في زحمة البيت. وللحامل قد يعبر عن مشاعر الانتظار الطويل في فترة الحمل، فهي تنتظر مولودها، ولا يدل الحلم على موعد ولا على حالة. وينصح لها بالتحلي بالصبر ومتابعة طبيبتها والاسترخاء.
وللرجل قد يدل على انتظار ترقية أو راتب أو معاملة في دائرة حكومية، وللتاجر قد يشير إلى انتظار بضاعة أو تخليص جمركي أو سداد، وفي ذلك دعوة إلى حسن التخطيط وتوقع التأخر وعدم الاعتماد على موعد واحد. والصبر في المعاملات من حسن الخلق، والاستعجال قد يفسد الأمر. والحلم لا يتنبأ بموعد، لكنه يهيئ النفس للانتظار.
ومن الدقائق: هل كان الطابور تحت الشمس أم في ظل؟ فقد يدل على شدة الصبر أو سهولته. وهل كان الناس غرباء أم معارف؟ فالمعارف قد يدلون على أن الأمر مشترك بين أهله وجيرانه. وهل كان بجانبه صديق يتحدث؟ فقد يدل على أنس في الصبر. وهل كان الحارس صارمًا؟ فقد يعبر عن خوف من السلطة أو الأنظمة. وهل جلس الرائي للراحة؟ فقد يدل على تدبر في الانتظار.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن شعور بالاستنزاف في انتظار أمر مؤجل، وعن رغبة في أن يرى جهده يتحقق. ويمكن أن يكون دعوة إلى الصبر المنظم، وإلى تحويل الانتظار إلى فرصة للتأمل والإعداد. كما قد يذكّر بقيمة النظام واحترام الدور في الواقع، وبأن العدل في التوزيع من أسباب الطمأنينة. ومن اللطيف أن نتعلم الابتسامة والكلمة الطيبة مع من حولنا في أثناء الانتظار، فبهذا نجعل الحلاوة حاضرة حتى قبل أن يصل السكر.
ومن الظلال المحتملة أن يرى الرائي نفسه يشتري السكر لجيرانه وأقاربه في الطابور، فيدل ذلك على خدمة الناس وقضاء حوائجهم. وقد يرى نفسه يوزع حصته على الواقفين خلفه، فيدل على كرم وإيثار. وقد يرى أن الطابور لا ينتهي أبدًا، فيدل ذلك على قلق من طول الانتظار. وهذه التفاصيل الصغيرة تمنح الحلم وجهًا شخصيًا، ولا بد أن يفسر كل رائي ما يخصه بحسب حاله.
وفي الختام، فإن تأويل الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في أمر من أمور المال أو العمل، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فإن كنت في انتظار أمر فاستعن بالصبر والدعاء، وأحسن الظن بربك، وخذ بالأسباب المتاحة لك، وتوكل عليه سبحانه، فهو أعلم بتوقيت كل خير.
