كثيرًا ما يرى الناس في منامهم أنفسهم يصنعون الحلوى، يخلطون السكر بالماء أو الحليب أو الطحين، ويحركون المزيج على النار أو يشكّلونه في صحون وقوالب. وهذا المشهد يحمل عنصرًا إضافيًّا هو الصنع والإبداع، فالرائي لا يأخذ السكر جاهزًا بل يحوله إلى شيء آخر. ومع ذلك فالتأويل قراءة رمزية احتمالية لا أكثر، فقد يكون الحلم انعكاسًا لإعداد حلوى فعلي أو لمناسبة قادمة تشغل بال الرائي وأهله.
الصنع في الرموز يرتبط بالجهد والتحويل والإبداع، فمن يصنع الحلوى يمزج المواد ويمنحها وقتًا وحرارة حتى تتحول إلى ما يسرّ الأعين والأفواه. والسكر هنا هو أساس الحلاوة، فالحلم قد يُفهم على أن الرائي يعمل على تحويل جهده أو موارده إلى فرح يقدمه لنفسه أو لغيره. وقد يرمز كذلك إلى إعداد مناسبة سعيدة أو إلى تدبير سرور لأهل البيت. وهذه كلها قراءات محتملة لا تتجاوز حدود التأمل.
نُسب إلى ابن سيرين أن صنع الحلو أو إعداده في الرؤيا قد يدل على سعي في إدخال السرور أو على تدبير أمر طيب، وذهب بعض المفسرين إلى أن الحلويات المعمولة قد ترتبط بمناسبات وأفراح. وجاء عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يقرب من هذه المعاني. ولكن المفسرين اختلفوا في ذلك ولم يتفقوا على دلالة واحدة، فيحسن ألا نأخذ المنقول على أنه قاعدة قاطعة، بل نعده اجتهادًا محتملًا يُنظر فيه بحذر وبقدر ملاءمته لحال الرائي.
ويتغير المعنى بتغير النتيجة والسياق. فإذا نجحت الحلوى وخرجت جميلة الشكل لذيذة الطعم فذلك أقرب إلى التوفيق في إعداد أمر مفرح. وإذا فسدت أو احترقت أو لم تتماسك فقد تعكس خشية من نقص في الاستعداد أو من مناسبة قد لا تسير كما يُراد. وإن كان الرائي يصنعها مع آخرين فقد يدل على تعاون وأنس، وإن كان وحده فقد يدل على اعتماد على النفس. وكمية السكر أيضًا لها أثر، فالمعتدلة توحي بالاتزان والمفرطة بإسراف في الفرح أو المجاملة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم رمزًا لإعداد نفسها لفرحة قريبة أو لمهارة تنميها في الطهي والفنون المنزلية، وقد يعكس طاقتها الإبداعية. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى سعيها في صنع السعادة لأسرتها بمبادرات لطيفة، وللحامل قد يدل على انشغالها بتجهيز الفرحة بقدوم المولود، وربما على اشتهاء الحلوى. وهذه كلها قراءات لطيفة لا تغني عن الواقع، ولا يصح أن تبنى عليها توقعات قطعية.
وللرجل قد يرمز صنع الحلوى إلى مشاركته في تجهيز مناسبة عائلية أو إلى مبادرة طيبة لإدخال الفرح على من حوله، وللتاجر قد يعكس عمله الفعلي في الصناعة الغذائية أو الضيافة، أو تفكيره في تحويل مواد خام إلى منتج جاهز للبيع. فإن كان يعمل في هذا المجال فالحلم صدى لعمله اليومي، وإن لم يعمل فقد يكون رمزًا لتطوير مشروع. ويبقى ذلك كله في دائرة الاحتمال، ولا يغني عن دراسة السوق والحساب.
ومن الدقائق التي قد تؤثر: نوع الحلوى المصنوعة، فالحلوى الشرقية بالقطر تختلف عن الحلوى الباردة أو الكعك. وهل استُعمل العسل أو الورد أو المكسرات مع السكر؟ فإضافة الطيب إلى الحلاوة قد تدل على جمال يزداد باللمسات. وهل كانت الرائحة عطرة؟ وهل أُهديت الحلوى بعد صنعها أم أُكلت؟ فالإهداء يدل على كرم، والأكل على انتفاع شخصي. وهل كان في المطبخ أطفال؟ فوجودهم يدل على بهجة وبراءة، وهو من علامات الأنس.
ومن الناحية النفسية قد يكشف الحلم عن رغبة الرائي في التعبير عن نفسه بالإبداع واللمسات الجميلة، وعن حاجته إلى أن يصنع شيئًا بيده يدخل به السرور. فالصنع اليدوي يمنح النفس رضا وراحة، وقد يكون علاجًا لتوتر اليوم. وهو دعوة إلى أن يمنح الإنسان لحياته نصيبًا من الفرح الذي يصنعه بنفسه ولا ينتظره من الظروف. كما أنه تذكير بأن الحلاوة الحقيقية تأتي من العناية والإتقان لا من كثرة السكر فقط.
ومن اللطائف أن صنع الحلوى في كثير من الثقافات يرتبط بالمشاركة الجماعية، فتتعاون النساء في المطبخ وتتبادل الأحاديث، فيكون الحلم حنينًا إلى هذه الأجواء الدافئة. ومن اشتاق إليها فليبادر بزيارة أهله وإحياء هذه اللمة، فهذا أنفع من أي تفسير.
وفي الختام فإن تفسير صنع الحلوى بالسكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار مالي أو اجتماعي. ومن رأى ما يسره فليحمد الله ويشكره، ومن رأى ما يكرهه فليدعُ ربه ويحسن به الظن. فعلم الغيب لله وحده، وهو أعلم بما يقدّره لعباده، وما علينا إلا أن نجتهد ونتوكل ونرضى.
