قد يرى المرء في منامه جبلًا ضخمًا من السكر يعلو أمامه بقمته البيضاء المتلألئة، فيقف مندهشًا أمام ضخامته، وربما حاول تسلقه أو أخذ ما يستطيع من سفحه. هذه الصورة من الصور المبالغ فيها التي يصنعها العقل في النوم، وهي تحمل في طياتها معاني متعددة بحسب الشعور المصاحب. ومن المهم أن نتذكر أن الحلم رمزي ولا يعني أن ثروة هائلة ستهبط على الرائي. وسنتناول هنا الاحتمالات التي أشار إليها أهل التعبير، بما فيها من اختلاف بينهم.
الجبل في الرؤى يرمز إلى الثبات والعظمة والمنزلة، وإلى الأمر الكبير الذي يحتاج إلى جهد أو يمنح صاحبه سندًا. والسكر يرمز إلى الحلاوة والرزق السهل المريح وطيب القول. فاجتماعهما يدل على نعمة كبيرة الحجم، أو على أمنية عظيمة تبدو حلوة المنظر لكنها ثقيلة الحمل. وبعض الناس يرون في هذه الصورة مدخلًا لفكرة أن النعمة الكبيرة تحتاج إلى حكمة كبيرة في إدارتها، فليست كل زيادة راحة، ولا كل ضخامة بركة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجبل قد يدل على رجل عظيم أو سلطان أو سند قوي، وأنه قد يدل كذلك على هم ثقيل بحسب هيئته في الرؤيا. وذهب بعض المفسرين إلى أن الحلاوة في الطعام ترمز إلى كلام لين ورزق سهل، فإن اجتمعا في مشهد واحد قيل إنه قد يرمز إلى منزلة رفيعة تصحبها لين وسهولة. غير أن النابلسي وغيره اختلفوا في تفصيل الجبال والأطعمة، ومن هنا يتبين أن هذه الأقوال إشارات للاستئناس لا أحكام حاسمة تنطبق على كل رائي.
لسياق المنام أثر كبير في معناه. فإن كان الرائي يصعد الجبل بسهولة ويتذوق من سكره فقد يُفهم ذلك على إنجاز يتحقق بالصبر، وإن كان الجبل يتهاوى عليه فربما رمز إلى مسؤوليات وفيرة تفوق طاقته أو إلى فرحة يخشى فقدانها. وإن كان يكتفي بمشاهدة الجبل من بعيد فقد يعني أن ثمة أمنية يراها بعيدة المنال. ولون الجبل ولمعانه وشعور الرائي أمامه، من إعجاب أو رهبة، كلها عناصر ترجّح معنى على آخر.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير المنام إلى طموحات كبيرة تتطلع إليها، أو إلى رغبة في سند قوي يحنو عليها، دون أن يعني ذلك شخصًا بعينه. وإن رأت نفسها تحمل شيئًا من هذا السكر وتنزل به فلعل ذلك يرمز إلى استفادتها من فرصة كبيرة بقدر ما تستطيع. وينبغي للفتاة ألا تجعل هذا المنام ميزانًا تقيس به الأشخاص أو القرارات، فهو لا يعدو أن يكون لوحة رمزية للأمل.
وللمرأة المتزوجة قد يدل المنام على رغبة في سعة العيش وطمأنينة الأسرة، أو على نعمة كبيرة تحتاج إلى حسن إدارة داخل البيت. وللحامل قد يكون تعبيرًا عن مشاعر الترقب لحدث كبير هو الولادة، فالجبل هنا يشبه عظمة التجربة وحلاوتها معًا. ولا يصح الاستدلال به على أمر يخص الحمل أو الجنين، لأن ذلك مما استأثر الله بعلمه، وعلى الحامل أن تطمئن وتأخذ بنصح طبيبتها.
وللرجل قد يرمز الجبل الحلو إلى مشروع كبير يطمح إليه أو منصب يسعى له، وفيه تنبيه إلى أن الحلاوة وحدها لا تكفي بل لا بد من تخطيط وصبر. وللتاجر قد يعني صفقة ضخمة أو توسعًا في التجارة، وهو توسع يحسن أن يسبقه نظر في الحسابات والمخاطر. ومن الدقائق النظر في موضع الجبل: هل هو في قريتك أم في أرض غريبة؟ وهل أنت وحدك أم مع جماعة؟ فكل ذلك يضيف إلى الدلالة لونًا جديدًا.
ومن الدقائق أيضًا هيئة الجبل نفسه؛ فإن كان قريبًا من العمران فهو أقرب إلى نعمة تشمل الناس حول الرائي، وإن كان معزولًا في أرض خالية فهو أقرب إلى أمنية شخصية لا يشاركه فيها أحد. وإن لاحظ الرائي أن السكر يتساقط من أعلى الجبل إلى سفحه فقد يُفهم ذلك على خير ينزل بالتدريج إلى من يحتاجه، وإن كان الجبل صلبًا متماسكًا لا يتفتت فقد يرمز إلى نعمة ثابتة طويلة الأمد. ويحسن أيضًا أن ينتبه إلى وجود طريق أو درج، فوجوده قد يدل على أن الوصول إلى الهدف ممكن بالتدرج.
وفي الجانب النفسي، قد يعكس هذا الحلم شعورًا بأن أمامك فرصة أو هدفًا كبيرًا مغريًا، ويحثك على أن تقسمه إلى خطوات صغيرة بدل أن تقف مبهورًا بضخامته. وهو كذلك تذكير بأن الاستكثار من الدنيا ليس مقياس السعادة، وأن القناعة والاعتدال يحفظان النفس من الانبهار الزائد. وقد يكون من المفيد أن ينظر الرائي فيما يمكن أن يشاركه مع غيره من خير، فالنعمة التي تُوزَّع تحفظ صاحبها من الغرور وتزيد بركتها.
وفي نهاية المطاف، تفسير الرؤى اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، ولا يصح أن يتخذه أحد أساسًا لقرار مالي أو مهني أو أسري في حياته الواقعية. فالغيب مما اختص الله بعلمه، وما قلناه هنا تأمل في الرموز لا إخبار بالمستقبل. فمن رأى ما يسره فليحمد الله وليحسن الظن به، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ ربه وليستعذ به، ثم يمضي في عمله بالأسباب المشروعة.
