يرى بعض الناس في منامهم أن السكر ينهمر من السماء كما ينهمر المطر، فتتساقط حباته البيضاء على الأرض وعلى الرؤوس والأيدي، ويشعر الرائي بدهشة وفرح غريبين. هذا المشهد من المشاهد العجيبة التي تتكرر في أحلام الناس بصور مختلفة، وهو أقرب إلى الصور الرمزية منه إلى الوقائع الحقيقية. ولذلك ينبغي أن يُفهم على أنه إشارة معنوية لا حدثًا يقع بحروفه في اليقظة. وسنعرض هنا ما ذكره المفسرون من دلالات محتملة، مع التنبيه إلى أن التأويل اجتهاد يختلف فيه أهل العلم بالرؤى.
السكر في عالم الرؤى رمز للحلاوة بأنواعها: حلاوة العيش، وحلاوة الكلمة، وحلاوة الفرج بعد الضيق. وحين يهطل من السماء فإن الصورة تجمع بين رمزين: رمز العلو والسماء الذي يوحي بالعطاء الذي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان، ورمز المطر الذي اقترن في وعي الناس بالخير والنماء. فاجتماع السكر والمطر يوحي بخير عميم يأتي بلا تعب ظاهر، وبفرح يعم من حول الرائي لا الرائي وحده. غير أن هذا الفهم يظل احتمالًا من الاحتمالات وليس قاعدة ثابتة لا تتغير.
نُسب إلى ابن سيرين أنه كان ينظر إلى المطر في الرؤيا بحسب حاله، فإن كان نافعًا لا يضر فهو رحمة وخير، وإن كان مؤذيًا فهو بلاء وضيق. ويُنقل عن بعض المفسرين أن الحلو من الطعام يدل على اللين والراحة وطيب الكلام. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما كان طيب المذاق من الأطعمة يشير إلى رزق مريح وقول حسن، وإن اختلف المفسرون في تفصيل ذلك. وعليه فإن ربط انهمار السكر بالرزق الواسع والكلام الطيب هو من باب الاستئناس بأقوالهم، لا من باب الجزم بما يقصده كل منام.
يتغير المعنى بتغير السياق الذي جاء فيه المشهد. فإن كان الانهمار رفيقًا هادئًا لا يؤذي أحدًا فهو أقرب إلى الخير واللطف، وإن كان عنيفًا يضرب الوجوه ويجرح فربما دل على فرح مصحوب بإرهاق، أو عطاء يأتي بكثرة حتى يصعب تدبيره. وإن كان الرائي يلتقط السكر ويجمعه فذلك أدعى لحسن التدبير والاستفادة مما يأتيه، وإن تركه يتبدد على الأرض فقد يشير إلى فرصة حلوة لا ينتبه لها. وكذلك عدد الناس الذين يشاركونه المشهد، فالفرح المشترك أوسع في دلالته من الفرح المنفرد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون هذا المنام إشارة إلى أيام مبهجة قادمة وأخبار تسر قلبها، أو إلى كلمات لطيفة تسمعها ممن حولها. وإن رأت نفسها واقفة تحت هذا المطر الحلو دون خوف فربما كان في ذلك طمأنينة على حالها وحسن ظن بمستقبلها. ويرى بعض المفسرين أن مثل هذه الرؤى في حق الفتاة ترتبط بالأمل والتفاؤل، لكنها لا تدل على موعد محدد ولا على شخص بعينه، فلا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل.
وللمرأة المتزوجة قد يُحمل المنام على سعة في البيت وراحة في المعيشة وسكينة بين أهله، أو على فرح يخص الأبناء والأسرة. وإن كانت تجمع السكر في وعاء فقد يُفهم ذلك على حسن تدبيرها وحرصها على ادخار الخير لوقت الحاجة. أما الحامل فقد يُحمل المنام على التفاؤل والاطمئنان النفسي، وهي أحوال مناسبة لمن تنتظر مولودًا، دون أن يكون في ذلك حكم على جنس المولود أو سلامته، فهذا لا يعلمه إلا الله.
وللرجل قد يشير المنام إلى باب رزق يُفتح أو حل لضائقة كانت تثقله، وللتاجر قد يُفهم على أنه موسم رواج وبيع طيب، بشرط ألا يغتر بذلك فيهمل الحساب والتخطيط. ومن التفاصيل المؤثرة لون السماء وقت الانهمار، ودرجة حرارة الجو، وصوت سقوط الحبات، ومشاعر الرائي أثناء ذلك: أهو مسرور أم قلق؟ فالشعور المصاحب للحلم من أهم مفاتيح فهمه، وكذلك ما حدث بعد المشهد، كأن يجد الأرض لزجة أو يرى الناس تتزاحم لالتقاط الحبات.
ومما يُلتفت إليه أيضًا في هذا المنام توقيت المطر وكثافته؛ فالمطر الخفيف المتقطع قد يشير إلى خير يأتي على دفعات متتابعة، والمطر الغزير المتواصل قد يشير إلى وفرة تحتاج إلى استعداد ومساحة لاستقبالها. وإن رأى الرائي أن الحبات تذوب على لسانه فذلك أقرب إلى لذة الكلام الطيب أو سماع خبر مفرح، وإن رآها تتجمع على الأرض فهو أقرب إلى الرزق المادي. وقد يلاحظ بعضهم أن في المشهد أطفالًا أو ضيوفًا، وهؤلاء قد يرمزون إلى أن الخير سيصل إلى أهل البيت وزواره معًا.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يعكس هذا المنام رغبة داخلية في أن تنزل الأمور حلوة سهلة بلا جهد، أو شعورًا بالامتنان لنعمة حاضرة في حياة الرائي. ويمكن أن يكون تذكيرًا لطيفًا بالقناعة، وبأن النعمة تحتاج إلى شكر واعتدال في التعامل معها. والأجمل أن يحوّل الرائي هذا الشعور إلى عادة طيبة: كلمة لطيفة لمن حوله، وصدقة ولو يسيرة، وتدبير يحفظ ما بين يديه، فبذلك تصير الحلاوة سلوكًا يوميًا لا مجرد صورة عابرة في النوم.
وفي الختام، يبقى تأويل الرؤى اجتهادًا بشريًا ظنيًا يخطئ ويصيب، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار في أمر من أمور الحياة الحقيقية كالمال أو الزواج أو السفر. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قيل هنا محاولة للفهم لا خبر يقيني. فإن رأيت ما يسرك فاحمد الله وأحسن الظن به، وإن رأيت ما يقلقك فادعُ ربك واستعذ به، ثم امضِ في شؤونك بالأخذ بالأسباب والتوكل عليه.
