من الأحلام اللطيفة أن يشعر النائم بحلاوة السكر تملأ فمه، فيتلذذ بها ويستمتع بطعمها على لسانه، وقد يستيقظ وهي لا تزال في مخيلته أو حتى في إحساسه. ولا تحتاج هذه الرؤيا إلى مشاهد كثيرة، فالتركيز فيها على الإحساس الذوقي ذاته. وهي من أكثر الأحلام التي ترتبط بالراحة والرضا. ونتناول معناها الرمزي بتواضع وحذر، فهي ليست خبرًا عن واقع.
الفم في الرؤى موضع الكلام والغذاء والذكر، والحلاوة فيه قد ترمز إلى حلاوة القول وطيب الحديث، أو إلى سماع كلام يسر، أو إلى رزق مريح، أو إلى لذة في الطاعة والذكر. والتركيز على الإحساس الذوقي يميل بالمعنى إلى الشعور الداخلي: رضا وانشراح وطمأنينة. وهذا ما يجعل الحلم محببًا، فصاحبه لا يرى مشهدًا بقدر ما يعيش شعورًا. وقد يتصل بنعمة كلمة أو بشارة أو لقاء طيب.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُذكر عنه أن الأشياء التي تدخل الفم والطعام الطيب قد تدل على الانتفاع والخير، وأن الحلو يدل على الراحة وطيب العيش. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحلو علامة لين وسهولة ويسر. ويرى بعض المفسرين ربط الذوق الحسن بالكلام الحسن، وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك. وكلها أقوال للاستئناس، ولا تعني أن لكل من رأى هذا الحلم الحكم نفسه.
يتغير المعنى بحسب مدة الحلاوة وشدتها. فإن كانت لطيفة معتدلة فهي أقرب إلى الرضا والراحة، وإن كانت مفرطة تكاد تضايق فقد تعبر عن إسراف في لذة أو كلام. وإن استمرت بعد الاستيقاظ فقد يكون ذلك تأثير حالة جسدية أو ما أكله قبل النوم. وإن كان مصدرها غير معلوم فقد تشير إلى نعمة بلا سبب ظاهر، وإن كان مصدرها سكرًا أعطاه أحد فقد تشير إلى مودة من ذلك الشخص.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن انشراح وفرح قريب، أو عن كلام طيب تسمعه أو تقوله، أو عن حلاوة في عبادة تجدها. ويستحب أن تستثمر هذا الشعور في الذكر والدعاء والكلام الحسن، فالحلاوة الحقيقية في القلب. وإن اقترن بخبر فرح فلتشكر الله، ولا تجعل الحلم أساسًا لقرار.
وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى رضا ومودة في أسرتها أو إلى كلمة طيبة تسمعها من زوج أو ولد. وللحامل قد يعبر عن راحة ورضا وإحساس بالأمان، وقد يكون في الجسد سبب لطعم الفم، فتراجع طبيبتها إن كان الإحساس مزعجًا أو متكررًا، ولا نستنتج من الحلم شيئًا عن الحمل. وللأمهات عمومًا هو تذكير بقيمة الكلمة الدافئة مع الأبناء.
وللرجل قد يدل على رزق ميسر وحديث طيب في عمله، أو على تيسير في أمر يخص بيته. وللتاجر قد يشير إلى حسن التعامل مع الزبائن بالكلمة الحلوة، وأن حسن الخلق من أسباب الرواج. وليس في الحلم ضمان للربح، لكن في معناه تذكيرًا بأن الكلام الطيب لا يكلف شيئًا ويعود بالخير الكثير.
ومن الدقائق: هل شعر الرائي بالحلاوة على لسانه أم في حلقه؟ فاللسان قد يرتبط بالكلام، والحلق بالانشراح. وهل تبعتها رغبة في الكلام أو الابتسام؟ وهل كان في الفم شيء آخر كالماء أو العسل؟ وهل كان هناك صوت أو رائحة؟ وهل تحول الطعم لاحقًا؟ فالثبات قد يدل على استقرار الخير، والتحول على تقلب الأحوال. وهل استيقظ الرائي بشعور السعادة؟ فذلك أكبر دليل على لطف الحلم.
ومن الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن حالة رضا داخلي أو عن حاجة إلى لذة صغيرة بعد تعب. ويمكن أن يكون دعوة إلى أن يجعل الإنسان في فمه حلاوة بذكر الله والكلمة الطيبة وقراءة ما ينفع، فتتحول اللذة الحسية إلى لذة معنوية أبقى. وهو كذلك تذكير بأن يحفظ الإنسان لسانه من القسوة، وأن يتحرى الصدق مع اللين. وفي الجانب البدني نقول بلطف إن طعم الفم في المنام قد يرتبط أحيانًا بما أكلناه أو بجفاف الفم، ولا يدل على مرض.
ومن اللطائف أن الأحلام الذوقية تبقى من أقل الأحلام تفصيلًا لكنها من أكثرها أثرًا في المزاج، فقد يقضي الإنسان يومه مبتسمًا بسببها. وهذا الأثر الإيجابي مقصود في ذاته، وهو من نعم الله على النفس، فلا حاجة إلى البحث عن معنى أبعد منه. ومن أحسن ما يُفعل أن يحمد الله على النعمة، ويشارك الابتسامة مع من يلقاه، فبذلك تصبح حلاوة الحلم حلاوة في الواقع.
وفي نهاية الحديث، لا بد من القول إن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قلناه محاولة للفهم لا خبر بما سيكون. فاحمد الله على نعمة الشعور الطيب، وأحسن الظن به، وادعه بالخير، ثم امضِ في يومك بالتوكل والأخذ بالأسباب.
