من الصور التي تتكرر في الأحلام أن يرى الإنسان النمل وهو يمشي فوق السكر مباشرة، كأن يغطي السطح الأبيض بحركته السوداء، أو يتسلق على كومة السكر في وعاء، أو يدخل بين الحبيبات ويخرج حاملاً بعضها. وهذه الصورة قريبة جداً من الواقع، ولذلك ينبغي ألا يُبالغ في تأويلها، فكثير من الناس يحلمون بها بعد أن يشاهدوا مثلها في البيت. وتأويلها على كل حال رمزي ظني، لا يُحمل على ظاهره ولا يُجزم فيه بشيء، وإنما هو تأمل يختلف باختلاف الأحوال.
السكر في الرؤى رمز للحلاوة والخير والراحة، والنمل في الغالب رمز للسعي والكثرة والأخذ القليل المتتابع. وعندما يكون النمل على السكر فإن الصورة قد تدل على ما يُنتقص من الخير شيئاً فشيئاً، أو على من يشارك الرائي في نعمه بقدر يسير، أو على إقبال الناس على ما عنده. وليس بالضرورة أن يكون المعنى سلبياً، فقد يكون مجرد مشاركة طبيعية في المنفعة. وقد يكون تنبيهاً إلى أن النعمة الظاهرة تجذب الناس إليها، ومن حسن التدبير أن يعتني بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن النمل في المنام يدل على جماعة أو عيال أو أصحاب سعي، وأن الحلو يدل على قول لين ومنفعة هنيئة. وذهب بعض المفسرين، ومنهم النابلسي في بعض ما نُقل عنه، إلى أن النمل قد يشير إلى كثرة من يقصدون الرائي أو يعتمدون عليه، وإن اختلفت آراؤهم في تفاصيل الدلالة. ولذلك فمن الواجب ألا نتشدد في قول منها، وأن نعتبرها اجتهادات تُستأنس بها ولا تُجعل أصلاً يُبنى عليه. فالأمر في الرؤى أوسع من أن يُختزل في عبارة قصيرة.
وتتغير الدلالة بحسب كثافة النمل ونوعه وحركته. فإن كان قليلاً فقد يشير إلى انتقاص يسير لا يضر، وإن كان كثيراً يغطي السكر كله فقد يرمز إلى كثرة مطالب أو منافسين أو أعباء تستنزف الخير. وإن كان النمل ينقل السكر في صفوف منظمة فقد يرمز إلى تعاون ينتهي بنفع للجماعة. وإن كان الرائي ينفض النمل عن السكر فقد يعبّر عن حرصه على حفظ ما له، وإن كان يتركه فقد يعبر عن سماحة أو تغافل. ولون النمل وحجمه قد يضيفان تلميحات، لكنها تلميحات ظنية.
وللفتاة غير المتزوجة قد تعبر الرؤيا عن انتباهها إلى من يحاولون الاقتراب منها لأسباب مختلفة، وحاجتها إلى التمييز بين الصادق والمتكلف. ولا يُفهم منها حكم على أحد بعينه. وللمرأة المتزوجة قد تدل على حرصها على مال البيت أو على انشغالها بالأعباء الصغيرة المتراكمة التي تستنزف راحتها. وللحامل قد تكون مجرد صدى لحساسيتها المتزايدة للنظافة والترتيب. وفي كل ذلك فإن مشاعرها عند الاستيقاظ أصدق من أي تأويل عابر.
وللرجل قد تدل الرؤيا على كثرة الملتزمات المالية الصغيرة التي تنتقص من دخله، أو على قوم يعتمدون عليه في معاشهم، فيبذل لهم من ماله. وللتاجر قد تنبهه إلى ما يتسرب من نفقات صغيرة أو بضاعة تتلف، فيحسن به مراجعة حساباته بدقة. ولا يعني ذلك خسارة قادمة، وإنما دعوة إلى الانتباه كما يُنتبه إلى النمل في المطبخ. والجمع بين الأخذ بالأسباب وحسن الظن بالله هو الأوفق، فلا هلع ولا تهاون.
ومن الدقائق: هل كان السكر مغطى بوعاء أم مكشوفاً، وهل كان النمل داخل الوعاء أم خارجه؟ فالمكشوف قد يرمز إلى ما لم يُحفظ، والمغطى الذي دخله النمل قد يرمز إلى ما تسرّب رغم الحذر. وهل كان الرائي يأكل من السكر نفسه رغم وجود النمل؟ فقد يعبر ذلك عن تساهل أو ضيق ذات اليد. وهل كان النمل يخرج منه أم يدخل؟ فالدخول قد يدل على إقبال، والخروج قد يدل على أخذ. وكل ذلك من باب الاحتمال لا اليقين.
ومن الناحية النفسية والعملية، فقد يكون هذا الحلم تعبيراً عن إحساس بالضغط من كثرة المطالب الصغيرة أو من أشخاص يستهلكون وقت الرائي وجهده. وفيه دعوة إلى وضع حدود لطيفة وإلى ترتيب الأولويات، وإلى حفظ المال والطعام والوقت من الهدر. كما فيه تذكير بقيمة الشكر والقناعة، وبأن من بُورك له في القليل لا يضره ما يؤخذ منه. وإن كان الحلم قد أزعجه فليذكر الله وليشغل يده بشيء نافع، فتهدأ نفسه.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في مال أو علاقة أو عمل أو غير ذلك. وخير ما يقابل به المسلم رؤياه أن يدعو الله بالبركة والحفظ وأن يحسن الظن به. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يبارك في القليل ويحفظ الرزق من كل انتقاص، فلنطمئن إلى فضله وندعوه بخير الدنيا والآخرة.
