تُعد رؤية سقوط الأسنان من أكثر الأحلام التي تشغل بال الرائي وتدفعه للبحث عن تفسيرها فور استيقاظه، فهي من الرؤى المتكررة التي يشترك فيها كثير من الناس رغم اختلاف ظروفهم وأحوالهم. وترتبط الأسنان في عمومها بأهل بيت الرائي وأقاربه ومن حوله من الناس الذين يشكلون سنده في الحياة، فهي بمثابة الأداة التي بها يمضغ الإنسان طعامه ويقوى بها على شؤون حياته، ومن هنا جاء ربط المفسرين بينها وبين أهل الإنسان وذويه الذين هم عونه وسنده. وسقوطها في المنام يحمل إذن دلالة على ما قد يصيب هؤلاء الأقارب من تغير في أحوالهم، سواء كان ذلك التغير مفرحاً أو محزناً، بحسب تفاصيل الرؤيا المحيطة بها.
ولعل ابن سيرين هو أكثر من فصّل في هذا الباب من بين مفسري الأحلام قديماً، إذ خصّ الأسنان بمنهج تفسيري دقيق يقوم على ربط كل سن أو مجموعة من الأسنان بفرد بعينه من أفراد أسرة الرائي. فقد ذهب إلى أن الأسنان العلوية تدل على أهل الرائي من جهة الرجال أو من هم أكبر سناً وأقوى مكانة في الأسرة كالأب والعم والأخ الأكبر، بينما تدل الأسنان السفلية على أهله من جهة النساء أو من هم أصغر وأقل مكانة كالأم والأخت والأبناء الصغار. وبحسب هذا التقسيم فإن سقوط سن معين قد يشير إلى ما يصيب الشخص الذي يمثله ذلك السن من خير أو شر، وكلما كان السن أقرب إلى مقدمة الفم كالثنايا كان الشخص الذي يرمز إليه أقرب صلة بالرائي، وكلما كان السن في آخر الفم كالأضراس كان الشخص أبعد قرابة أو أقل أهمية في حياته.
ولم يكتف ابن سيرين بهذا التقسيم العام، بل ذهب إلى تفصيل أدق يربط الثنايا العليا بالأب أو من يقوم مقامه، والثنايا السفلى بالأم، والرباعيات بالإخوة والأخوات، والأنياب بالأعمام والأخوال، والأضراس بمن هم أبعد من ذلك من الأقارب والمعارف. وعلى هذا فإن من رأى أن ثنيته العليا سقطت فقد يدل ذلك على أمر يخص أباه أو كبير أسرته، وهكذا بقية الأسنان كل بحسب ما يرمز إليه. وهذا المنهج التفصيلي هو ما جعل تفسيرات ابن سيرين للأسنان من أكثر الأبواب ثراءً وتشعباً في كتب تعبير الرؤى القديمة.
ومن أهم الضوابط التي وضعها ابن سيرين في هذا الباب مسألة الألم المصاحب لسقوط السن، فمن رأى سنّه يسقط ويشعر بألم شديد عند سقوطه فإن ذلك يدل غالباً على أذى أو ضرر يلحق بالشخص الذي يرمز إليه ذلك السن، أما من رأى سنه يسقط دون أن يشعر بأي ألم فإن ذلك يدل على تخلص من هم أو كرب يتعلق بذلك الشخص أو انتهاء أمر كان يثقل عليه، وقد يكون فيه إشارة إلى راحة أو فرج قادم بعد ضيق. فالألم في هذا الباب ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو الفيصل الذي يحول التفسير من دلالة سيئة إلى دلالة خفيفة أو محمودة.
أما الدم المصاحب لسقوط السن فله عند ابن سيرين دلالة خاصة أيضاً، إذ يذهب إلى أن ظهور الدم مع سقوط السن يشير إلى مال يأخذه الرائي بطريقة لا ترضي ضميره تماماً أو مال مختلط بشبهة، ثم ينفقه على أهله وأقاربه دون أن يبقى منه شيء له. وهذا يختلف عن سقوط السن دون دم والذي قد لا يحمل هذه الدلالة المالية المشبوهة بل يبقى في إطار الدلالة العامة المرتبطة بالشخص الذي يمثله السن. وأما من رأى أنه ابتلع سنه الساقط فهذا عند ابن سيرين من أكثر التفاصيل طمأنة، إذ يدل على أن المال أو الخير المرتبط بذلك الفرد سيبقى داخل الأسرة ولن يخرج عنها، أو أن سراً من أسرار البيت سيبقى مكتوماً ولا يعلمه أحد من خارج الأسرة.
وفي حق الفتاة العزباء، فإن رؤية سقوط الأسنان بحسب هذا المنهج قد تشير إلى تغير في علاقتها بأحد أفراد أسرتها القريبين، أو قد ترمز إلى قرب حدوث تحول في حياتها كالانتقال من مرحلة إلى أخرى، خاصة إن كان السقوط دون ألم ولا دم فهذا أقرب إلى الخير وزوال هم كانت تحمله بشأن أحد أقاربها. وقد تدل الرؤيا كذلك على كلام يقال عنها أو خوض الناس في أمرها، فالسن في بعض الأحيان يرتبط بالكلام واللسان لا بالأشخاص فقط.
وبالنسبة للمرأة المتزوجة فإن الرؤيا في هذا الإطار قد تتصل بزوجها أو بأحد أبنائها بحسب موقع السن، فالأسنان العلوية قد تشير إلى الزوج بوصفه من يقوم مقام الأب في البيت، بينما تشير السفلية إلى الأبناء أو الأخوات. وسقوط السن دون ألم قد يبشر بانفراج أزمة بينها وبين أحدهم، أما سقوطه مصحوباً بألم شديد فقد يدل على متاعب أو خلافات تحتاج منها إلى صبر وحكمة في التعامل معها دون تسرع في إصدار الأحكام.
أما الحامل فقد تحمل الرؤيا في حقها بعداً إضافياً يتعلق بحملها ومولودها القادم، فبعض المفسرين ممن بنوا على منهج ابن سيرين ربطوا سقوط السن دون ألم عند الحامل بيسر الولادة وسلامتها، بينما ربطوا سقوطه مع ألم شديد بضرورة الحرص على صحتها ومتابعة حملها بعناية أكبر دون أن يكون ذلك تشخيصاً طبياً بأي حال، بل هو محض تأويل رمزي لا يُبنى عليه قرار.
أما الرجل فإن الرؤيا بالنسبة له تتصل غالباً بمن هم تحت مسؤوليته من أهله وأولاده، فسقوط سن علوي قد يشير إلى أمر يخص من هو أكبر منه كوالده، وسقوط سن سفلي قد يخص من هو أصغر منه كأبنائه. والرجل الذي يرى هذه الرؤيا مدعو للتأمل في حال أسرته وعلاقته بهم أكثر من الانشغال بتأويل تفصيلي دقيق لكل سن.
وفي الختام، فإن كل هذه التفصيلات التي نُسبت إلى ابن سيرين إنما هي اجتهاد بشري ظني من عالم عاش في زمن بعيد وحاول فهم لغة الرؤى برأيه واستنباطه، وليست علماً يقينياً ولا وحياً يُعتمد عليه في اتخاذ قرارات الحياة المصيرية. فالرؤى قد تكون من حديث النفس أو من تأثير اليوم الذي عاشه الرائي، ولا ينبغي أن تكون مصدر قلق أو خوف دائم. والأولى بالمسلم إن رأى ما يزعجه في منامه أن يستعيذ بالله من الشيطان، ويكثر من الدعاء وذكر الله، ويتوكل عليه سبحانه في أمور حياته كلها، فهو المدبر لكل شأن والعالم بما كان وما يكون.
