تتكرر رؤية سقوط الأسنان في منامات كثير من الناس، وهي من الرؤى التي لا يخلو منها تقريباً أي إنسان مرّ بها ولو مرة في حياته، فيستيقظ وهو يشعر بشيء من القلق ويبحث عن معناها. وقد اتفق أغلب من كتب في تعبير الرؤى قديماً على أن الأسنان ترمز إلى أهل بيت الرائي وأقاربه ومن يعتمد عليهم في حياته، لأنها الأداة التي يقتات بها الإنسان ويقوى بها جسده، فكانت كناية عمن يقوم بأمر الرائي ويسانده في شؤون معاشه. وسقوطها في المنام يفتح باباً واسعاً من التأويلات التي تختلف باختلاف تفاصيل الرؤيا وظروف الرائي نفسه.
وممن اعتنى بهذا الباب من مفسري الأحلام عبد الغني النابلسي، الذي جاء بعد ابن سيرين بقرون وأضاف إلى ميراث تعبير الرؤى في كتابه المعروف تفصيلات كثيرة حول رموز متعددة من بينها الأسنان. ويرى النابلسي في عمومه أن الأسنان العلوية تدل على أهل الرائي من جهة الرجال، بينما تدل السفلية على أهله من جهة النساء، وهذا يتفق في جوهره مع ما ذهب إليه ابن سيرين من قبل، إلا أن النابلسي أضاف تفصيلات تتعلق بموضع سقوط السن نفسه لا بموقعه في الفم فقط، وهو ما يميز منهجه بعض الشيء.
فمن أبرز ما ذكره النابلسي أن من رأى سنّه العلوية تسقط في يده فإن ذلك يدل على مال يصل إليه أو يناله بطريقة أو بأخرى، أما من رأى السن يسقط في حجره فإن ذلك يبشر بولد ذكر يرزقه الله إياه أو بخير قريب يتعلق بأحد أبنائه. وأما من رأى أسنانه، عليا كانت أو سفلى، تسقط على الأرض فإن النابلسي لا يرى في ذلك خيراً، بل يذهب إلى أنه من الرؤى التي تحمل إنذاراً بأمر مكروه، وقد فسره بعض من تبعه بأنه إشارة إلى فقد قريب أو مصيبة تصيب أحد أهل الرائي، وهذا هو الموضع الذي اشتهر فيه ربط سقوط الأسنان بالموت في الثقافة الشعبية.
كما فصّل النابلسي في دلالة الأنياب خاصة من بين سائر الأسنان، فذهب إلى أن سقوط الأنياب السفلى يرتبط بفقد امرأة كبيرة في السن من الأسرة كالأم أو الجدة أو من تقوم مقامهما في رعاية البيت، بينما ربط سقوط الأنياب العلوية بمن يقوم بدور مشابه من الرجال كالأب أو الجد. وهذا التفصيل يكشف عن دقة ملحوظة في منهج النابلسي الذي لم يكتف بالتقسيم العام بين علوي وسفلي، بل ربط كل نوع من الأسنان بدور اجتماعي بعينه داخل الأسرة.
ومن اللافت أن النابلسي ربط أيضاً بين سقوط السن دون شعور بالألم وبين طول العمر، فمن رأى أسنانه تتساقط الواحدة تلو الأخرى دون ألم يُذكر وعلى مهل، فقد يدل ذلك على أنه سيعيش عمراً مديداً يشهد فيه تغيرات كثيرة في أحوال أسرته وتزايد عددها، حتى إن بعض من شرحوا كلامه ذهبوا إلى أن سقوط جميع الأسنان مع طول العمر يرمز إلى أن الرائي سيرى كبر أبنائه وتفرقهم واستقلالهم عنه شيئاً فشيئاً، وهذا تأويل يحمل بعداً إيجابياً رغم ظاهر الرؤيا المقلق.
وقد اهتم النابلسي كذلك بمسألة من يأخذ السن الساقط، فإن أخذه الرائي بيده أو وضعه في كمه أو ثوبه فهذا عنده أقرب إلى بقاء الخير في محيط الأسرة وعدم خروجه عنها، أما إن رأى السن يسقط ويضيع منه ولا يجده فقد يدل ذلك على فقدان حقيقي لذلك الشخص أو انقطاع الصلة به، وهذا فارق دقيق ينبغي الانتباه إليه عند استحضار تفاصيل الرؤيا ومحاولة فهم معناها.
وبالنسبة للفتاة العزباء، فإن رؤيتها لسقوط أسنانها وفق هذا المنهج قد ترتبط بتغير في وضعها الأسري أو بمرحلة انتقالية تخوضها، وقد يشير سقوط السن في يدها دون ألم إلى خبر سار يخص أحد أفراد أسرتها أو يخصها هي شخصياً، بينما قد يشير سقوطه على الأرض إلى قلق داخلي تعيشه بشأن أحد أقاربها دون أن يعني ذلك بالضرورة وقوع مكروه فعلي.
أما المرأة المتزوجة فقد تحمل لها الرؤيا دلالة تتعلق بزوجها أو أبنائها، فسقوط السن في حجرها قد يبشر بحمل قادم أو بخير يتعلق بأحد أبنائها، وسقوطه في يدها قد يرمز إلى عطاء مادي يأتيها من جهة زوجها أو أسرتها. وينبغي لها ألا تنزعج من مجرد الحلم بل تنظر في تفاصيله الدقيقة كموضع السقوط والشعور المصاحب له.
وأما الحامل فقد ربط بعض من فسروا على منهج النابلسي رؤية سقوط السن في حجرها تحديداً بقرب موعد ولادتها وقدوم مولودها بسلام، بينما يبقى سقوطه على الأرض أو مصحوباً بألم شديد داعياً إلى مزيد من الدعاء والاطمئنان دون قلق زائد، فهذه تأويلات رمزية بحتة لا تغني عن المتابعة الطبية ولا تصح أساساً لأي قرار يتعلق بصحتها أو حملها.
وفي النهاية يبقى الأصل أن هذه التفسيرات المنسوبة إلى النابلسي وغيره من علماء تعبير الرؤى هي اجتهاد بشري ظني، وليست علماً قطعياً ولا كشفاً غيبياً يُعتمد عليه في تقرير مصير أو اتخاذ قرار مصيري في الحياة. فمن رأى في منامه ما يقلقه فليستعذ بالله من شر ما رأى، وليكثر من الدعاء وذكر الله، وليتوكل عليه سبحانه، فهو أعلم بما يصلح عباده وما هم صائرون إليه، ولا ينبغي أن يترك الرائي القلق يستبد بقلبه من أجل رؤيا قد تكون محض تهيؤات لا معنى لها.
