تحظى رؤية سقوط الأسنان العلوية دون السفلية باهتمام خاص لدى من يبحثون عن تفسير أحلامهم، لكونها تحمل دلالة أضيق وأدق من الرؤية العامة لسقوط الأسنان دون تحديد، إذ يميّز أغلب المفسرين بين الفك العلوي والفك السفلي في الأسنان عند الحديث عن معنى الرؤيا. فالمعروف عند كثير ممن كتبوا في هذا الباب أن الأسنان العلوية تخص الرجال من أهل بيت الرائي أو الأقارب من جهة الأب، بينما تخص الأسنان السفلية النساء أو الأقارب من جهة الأم، وهذا التمييز هو حجر الأساس الذي تُبنى عليه أغلب القراءات الخاصة بسقوط الأسنان العلوية فقط.
ومن الأقوال التي تُنسب إلى ابن سيرين في هذا السياق أن من رأى أسنانه العليا قد سقطت في يده فذلك يدل على مال يصير إليه، وإن سقطت في حجره فذلك يدل على ولد ذكر يُرزق به، أما إن سقطت على الأرض بعيدًا عنه فقد فُسّر ذلك بأنه إشارة إلى مصيبة أو موت يصيب أحد من يمثلهم هذا النوع من الأسنان، أي الرجال من أقاربه. وهذا التفصيل الثلاثي بين اليد والحجر والأرض من أهم ما يميز تفسير سقوط الأسنان العلوية عن غيرها من الرؤى المشابهة.
ويضيف بعض من كتب في هذا الفن أن الثنيتين العلويتين تحديدًا، أي السنّين الأماميتين في الفك العلوي، تمثلان الأب والعم، بينما تمثل الأسنان المجاورة لهما كابن العم أو الصديق الناصح الذي يقوم مقام القريب، وهذا يعني أن سقوط سن علوية بعينها، لا الفك العلوي كله، قد يحمل دلالة أدق تخص شخصًا بعينه من هؤلاء تبعًا لموقع تلك السن من الفم.
ومن زاوية أخرى، يميل بعض المفسرين المعاصرين إلى ربط سقوط الأسنان العلوية بشكل عام بأمور تخص هيبة الرائي ومكانته الاجتماعية أو موقعه بين رجال أسرته، باعتبار أن العلو في الجسد كثيرًا ما يرمز إلى العلو في المكانة، فسقوط ما يمثل ذلك قد يشير إلى تراجع مؤقت في هذه المكانة أو إلى تحوّل في العلاقة مع من يمثلونها من الرجال المقربين.
وللفتاة العزباء، فإن رؤية سقوط أسنانها العلوية قد تُقرأ في ضوء ما سبق كإشارة إلى أمر يخص والدها أو أحد إخوتها أو أعمامها، خصوصًا إن كان السقوط مصحوبًا بألم أو قلق واضح في الحلم، بينما إن كان السقوط في يدها بلا ألم فقد يميل بعض المفسرين إلى قراءته كبشارة برزق أو خير قادم يخصها هي شخصيًا.
وللمرأة المتزوجة، تُربط هذه الرؤيا غالبًا بحال والد زوجها أو إخوته أو الرجال من أهل بيتها الأصلي، وقد يراها بعضهم أيضًا إشارة إلى تغيّر في موقعها هي داخل الأسرة، كأن تتحمل مسؤولية جديدة كانت منوطة برجل من أهل البيت قبل ذلك.
أما الحامل، فإن سقوط الأسنان العلوية في يدها تحديدًا يُذكر عند بعض الكاتبات في هذا المجال كإشارة قوية إلى أن مولودها سيكون ذكرًا، استنادًا إلى الربط التقليدي بين الأسنان العلوية والذكور من جهة، وبين السقوط في اليد والرزق أو المولود من جهة أخرى، مع التنبيه إلى أن هذا لا يغني بحال عن الفحوصات الطبية الحديثة ولا يصح الاعتماد عليه بيقين.
وللرجل، فإن سقوط أسنانه العلوية يُربط أحيانًا بأمر يخص والده أو أحد كبار الرجال في أسرته، وقد يراه بعض المفسرين أيضًا انعكاسًا لضغط يشعر به تجاه دوره كمسؤول عن بيته، خصوصًا إن ترافق السقوط مع شعور بالألم أو الحرج داخل الحلم.
ومن أهم ما يميز هذه الرؤيا حاجتها إلى تدقيق الرائي في مكان سقوط السن، هل وقعت في يده أم في حجره أم على الأرض، فهذا التفصيل وحده قادر على قلب المعنى من بشارة برزق أو مولود إلى إنذار بخسارة أو مصيبة، وهو ما يجعل من الضروري عدم الاكتفاء بتذكر أصل الحلم دون تفاصيله الدقيقة.
ويُضاف إلى ذلك أن عدد الأسنان العلوية الساقطة له أثر في التفسير أيضًا؛ فسقوط سن علوية واحدة يُقرأ عادة كإشارة إلى حدث محدود يخص شخصًا بعينه، بينما سقوط عدة أسنان علوية معًا دون سائر الفم يُقرأ عند بعضهم كإشارة إلى أمر أوسع يخص أكثر من رجل من رجال الأسرة في وقت متقارب، كأن يمر أكثر من قريب بظرف مشابه في الفترة نفسها. كما أن حالة السن نفسها، هل سقطت سليمة كاملة أم متكسرة مهترئة، تضيف بُعدًا آخر، فالسن السليمة الساقطة تُقرأ غالبًا كفراق هادئ أو انتقال طبيعي، بينما السن المتكسرة قد تحمل معنى أقرب إلى صدمة أو مفاجأة غير متوقعة أصابت من تمثله.
وفي الختام، يبقى الأصل أن هذا كله اجتهاد بشري ظنّي مبني على تراكم خبرات وقراءات قديمة وحديثة، وليس علمًا يقينيًا يُعتمد عليه في تقرير مصير أو اتخاذ قرار كبير في الحياة. فمن رأى ما يزعجه في منامه، فليتعوذ بالله من شر ما رأى، وليكثر من الدعاء وذكر الله، وليطمئن قلبه بالتوكل عليه سبحانه بدل الانشغال الزائد بتأويل تفصيل قد لا يتجاوز كونه أضغاث أحلام.
