من الرؤى التي تحمل بعداً روحياً ومعرفياً في آن واحد أن يرى النائم أن كتباً يعتز بها أو حتى مصحفاً كان يقرأ فيه قد سُرق منه، فيشعر بأسف عميق يتجاوز قيمة الكتاب المادية إلى ما يمثله من علم أو قرب من الله كان يستمد منه سكينته وطمأنينته اليومية. ويحمل هذا النوع من السرقة وقعاً خاصاً لدى من يعتزون بمكتبتهم الشخصية أو بنسخة معينة من المصحف ارتبطت بذكريات روحية غالية عليهم، فيستيقظون وهم يشعرون بفراغ يصعب وصفه بسهولة. ومع هذا الوقع العميق، يبقى الحكم الثابت في تفسير الأحلام قائماً، فهذه الرؤيا رمزية محضة ولا تعني أن كتب الرائي أو مصحفه الحقيقي سيتعرض فعلاً للسرقة في واقعه.
يربط كثير من المهتمين بتعبير الرؤى بين سرقة الكتب أو المصحف وبين قلق الرائي على جانب من جوانب علمه أو دينه يشعر أنه قد يفلت منه إن لم يواظب على تعهده بالمراجعة والتجديد المستمر. وقد ترمز أيضاً إلى خشية من نسيان معلومة أو حفظ قرآني كان قد بذل جهداً كبيراً في تحصيله، أو إلى شعور بأن انشغالات الحياة اليومية تسرق من وقته المخصص للقراءة والتدبر أكثر مما ينبغي أن تفعل، وهذا تنبيه لطيف يستحق الانتباه والمراجعة العملية الجادة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن المصحف في المنام يرمز إلى العلم والهداية، وأن ضياعه بالسرقة قد يحمل دلالة على انشغال مؤقت يبعد الرائي عن تلك الهداية دون أن يفقدها بالكلية، مع احتمال عودتها إن استرجع المصحف في الحلم أو حرص على قراءته في يقظته بعد ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما رُوي عنه إلى أن الكتب عموماً ترمز إلى العلم النافع، وأن سرقتها تحمل معنى مشابهاً وإن كان أخف وطأة من سرقة المصحف تحديداً. وتبقى هذه الأقوال اجتهادات منسوبة تحتمل الاختلاف بين المفسرين.
يتفاوت المعنى بحسب نوع الكتاب المسروق، فليس لكتاب علمي عام نفس دلالة المصحف الشريف أو كتب الأدعية والأذكار، كما يؤثر مدى تعلق الرائي الشخصي بالنسخة المسروقة تحديداً إن كانت هدية من شخص عزيز أو نسخة قديمة ورثها عن أحد أقاربه، وهل استُرجع الكتاب في نهاية الحلم أم بقي مفقوداً، فهذه التفاصيل مجتمعة تصقل المعنى وتقربه من واقع الرائي الخاص وحالته الروحية في تلك الفترة بالذات.
بالنسبة لطالب العلم الشرعي الذي يحفظ القرآن أو يتابع دروساً دينية منتظمة، قد تعكس هذه الرؤيا قلقاً من تقصير طرأ على وتيرة مراجعته أو حفظه، فتكون دعوة لطيفة لتجديد العزيمة والعودة لذلك الروتين النافع بانتظام أكبر. أما بالنسبة للشخص العادي الذي لا يواظب كثيراً على القراءة، فقد ترمز إلى رغبة كامنة في التقرب من العلم والدين أكثر مما هو عليه حالياً في واقعه اليومي المزدحم بالانشغالات الأخرى.
ومن الزوايا الإضافية أن يُلاحظ الرائي حالة الكتاب أو المصحف قبل سرقته، فرؤيته مستعملاً بكثرة ومليئاً بعلامات القراءة المتكررة تحمل دلالة مختلفة عن رؤيته جديداً لم يُفتح بعد، إذ يرتبط الأول بعلاقة راسخة مع ذلك الكتاب، بينما يرتبط الثاني بفرصة تعلم لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي والمطلوب.
ومما يستحق الذكر أن هذا الحلم قد يتكرر لدى من يمر بفترة انشغال شديد تبعده مؤقتاً عن عاداته الدينية المعتادة، كسفر طويل أو ضغط عمل مكثف، فيعبر العقل الباطن عن ذلك الافتقاد بصورة رمزية تحاكي فقدان الكتاب الذي كان مصدراً لسكينته المعتادة في أوقات فراغه وهدوئه.
كما يُستحسن لمن يرى هذا الحلم أن يتخذه فرصة لمراجعة علاقته بالقراءة والذكر في واقعه، فيخصص وقتاً ولو يسيراً لتلاوة القرآن أو مطالعة كتاب نافع، فهذا عمل صالح بصرف النظر عن أي تفسير رمزي للحلم نفسه، ويعيد للرائي شيئاً من السكينة التي افتقدها في منامه.
تُضيف تفاصيل مثل مكان حفظ الكتاب وقت سرقته، وهوية من سرقه إن عُرفت، أبعاداً إضافية للتفسير، فسرقته من مكان خاص كغرفة النوم تحمل دلالة مختلفة عن سرقته من مكان عام كالمسجد أو مكتبة عامة يرتادها كثيرون.
ومن الجدير بالذكر أن بعض من يرون هذا الحلم يكونون قد مروا مؤخراً بفترة فتور روحي عابر، وهو أمر طبيعي يمر به كثير من الناس بين الحين والآخر، فيأتي الحلم تذكيراً لطيفاً من النفس لنفسها بأهمية العودة إلى منابع الطمأنينة المعتادة، لا توبيخاً قاسياً يستوجب شعوراً بالذنب المفرط تجاه مرحلة عابرة من الفتور ستزول بإذن الله مع قليل من العزيمة المتجددة.
وفي النهاية، يبقى هذا التفسير اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يقيناً قاطعاً، ولا ينبغي أن يثير قلقاً على حفظه أو دينه بصورة مبالغ فيها. فليطمئن الرائي قلبه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليجدد عزيمته في طلب العلم النافع، فهو سبحانه هادي القلوب ومثبتها على الحق.
