قد يرى الإنسان في منامه أطفالاً يلعبون حول سلحفاة، يلمسونها ويضحكون ويطعمونها أو يتبعونها في الحديقة، وقد يكون بينهم أولاده أو أطفال لا يعرفهم. وهي صورة دافئة تبعث على البهجة، وكثيراً ما يستيقظ صاحبها مبتسماً ثم يتساءل عن معناها. ونقدم بأن التفسير رمزي عام لا يدل على أمر بعينه في الواقع، فالأحلام تتأثر بما في النفس من مشاعر وذكريات. وما نذكره قراءة احتمالية لفهم الرمز وليس حكماً.
والسلحفاة عند المتأخرين رمز للصبر والتأني وطول العمر والحماية، والأطفال رمز للبراءة والنمو والبركة والمستقبل. واجتماعهم يجمع الأناة بالبدايات الجديدة، فقد يعبر عن رعاية صبورة لجيل ينمو، أو عن تعليم هادئ يثمر مع الزمن. ويحسن بنا أن نلاحظ أن الأطفال قد يمثلون في الحلم الجانب الطفولي في الرائي نفسه، فيصبح المشهد تصالحاً بين الفضول والبراءة والتأني. وهي كلها معان محتملة لا قاطعة.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الأطفال أنهم قد يدلون في الجملة على فرح أو على بركة أو على هم صغير بحسب حالهم، وهي قاعدة عامة لا يُجزم بدقة نسبتها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مصاحبة الصغار للدواب الوديعة في المنام قد تدل على أمن وسلام في البيت. ونقول بصراحة إن السلحفاة أقل حضوراً في أقدم كتب التعبير من الحيوانات الكبيرة، ولذلك فأكثر ما يُقال عن اجتماعها بالأطفال قياس واجتهاد من المتأخرين. وقد اختلفوا في ذلك، ولا يصح توجيه شيء منه إلى شخص بعينه أو فئة بعينها.
ويتغير المعنى بحسب حال الأطفال وسلوكهم. فإن كانوا يلعبون برفق فذلك يوحي بتربية سليمة وهدوء، وإن كانوا يتعاركون عليها فقد يدل على تنافس أو حاجة إلى توجيه. وإذا كانوا يتعلمون منها فذلك يوحي بغرس قيمة الصبر، وإذا كانوا يخافونها فقد يدل على حاجة إلى طمأنة. وسلامة السلحفاة وطمأنينتها بين أيديهم قرينة على أن العناية تسير على ما يرام.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الصورة على حنان فطري ورغبة في الرعاية، أو على اتصال بجانب الطفولة والبراءة في نفسها. وقد تُقرأ كذلك على أنها قريبة من أطفال في أسرتها وتشعر بالمسؤولية نحوهم. وكل ذلك احتمال لا يقطع به، وليس فيه حكم على مستقبلها.
وللمرأة المتزوجة قد تدل على اهتمام بتربية أولادها بصبر، وعلى رغبة في غرس القيم فيهم بهدوء. وللرجل قد تدل على الأبوة المتأنية أو على مشاركة الأسرة في أوقات هادئة، وللتاجر قد ترمز إلى بركة في الرزق بجهد متأن. ولا يعد ذلك وعداً بشيء، وإنما هو تأمل لطيف.
ومن التفاصيل المعتبرة عدد الأطفال وأعمارهم، فكثرتهم قد تدل على اتساع البركة والاهتمام، وصغر سنهم يدل على بدايات. وهل كانوا يحملون السلحفاة بلطف أم بقسوة، فاللطف دليل تربية حسنة والقسوة تنبيه إلى الرفق. وهل كان معهم كبير يشرف، فذلك يدل على رعاية وتوجيه. وهل انتهى المشهد بوضع السلحفاة في مكانها الآمن، فذلك يوحي بحسن ختام.
ومن الجانب النفسي قد تعكس الرؤيا حنيناً إلى بساطة الطفولة، أو رغبة في تعليم الأبناء الصبر في زمن السرعة. وقد تذكّر الرائي بأن يخصص وقتاً للعب الهادئ مع أولاده، بعيداً عن الشاشات. فالسلحفاة تعلم الأطفال الإصغاء والملاحظة والرفق بالمخلوقات. وهذه من أجمل ما يمكن أن يغرس في النفوس.
ويمكن أن يستفيد الآباء والأمهات من هذه الرؤيا في تذكر أن التربية عمل طويل لا ثمرة فيه سريعة، وأن الخطوة البطيئة المنتظمة أنفع من الحماس المتقطع. وأن القدوة الحسنة أبلغ من الوعظ الكثير. ومن الحكمة ألا يقارن الوالدان طفلهما بغيره، فلكل طفل إيقاع نموه. وهذا معنى تربوي نافع في كل حال.
وقد يكون الحلم أثر زيارة لحديقة حيوانات مع الأطفال أو مشهد من كتاب قصصي. ولا يحتاج هذا إلى تأويل أكثر من ابتسامة وشكر على النعمة. ومن الخير أن نحتفظ بالمعاني الطيبة ونترك التكلف. وإن بقي أمر يشغل البال فالدعاء للأبناء بالصلاح خير ما يُقدَّم.
ويضيف بعض المتأملين أن صحبة الأطفال للسلحفاة تذكّرنا بأن العلم الحقيقي يبدأ بالملاحظة والتأني، فالطفل الذي يراقب سلحفاة يتعلم أن لا يستعجل وأن ينتظر. ومن رأى ذلك في منامه فقد يتذكر قيمة الوقت الذي يقضيه مع أبنائه في أمور بسيطة. وهذا فهم تربوي يمكن الانتفاع به دون الجزم بأي دلالة غيبية.
ومما يُلحظ أن الأطفال يرون في السلحفاة صديقاً لا يخيفهم، وفي ذلك درس في أن اللين والهدوء يجذبان القلوب أكثر من الصخب. وقد يرمز الحلم إلى حاجتنا إلى أن نكون كذلك في تعاملنا مع من حولنا، هادئين لا يخشانا الضعيف. وهذه معان أخلاقية طيبة يستحسن أن نتمثلها في سلوكنا.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في تربية أو مال أو علاقة أو سفر. والأولى أن يقابل الرائي ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الخير لأهله. فالغيب مما اختص الله بعلمه، وما نقوله لا يتجاوز التأمل في الرموز. والله أعلم.
