قد يرى الإنسان في منامه سلحفاة تصعد درجات سلم واحدة بعد أخرى، أو يراها تكبر على مدى المشهد شيئاً فشيئاً، أو يرى أمامه سلسلة من المراحل تعبرها السلحفاة بصبر. وهذه صورة تعبّر عن فكرة التدرج التي تتصل بها السلحفاة في الأذهان، لأن خطواتها المتعاقبة تمثل البناء المتراكم. وتفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، وما يرد هنا قراءة محتملة، وليس فيه إخبار بمراحل مقدرة ولا بموعد انتهائها.
التدرج في تعريفه الواسع هو الانتقال من حال إلى حال بقدر محسوب، دون قفز ولا طفرة. ولذلك يقرؤه المتأخرون في صورة السلحفاة على أنه دعوة إلى الصبر على المراحل وإلى أن النتائج الحقيقية تأتي مع الزمن. وقد يُفهم من الصورة أن الرائي في طور من أطوار النمو، سواء في علم أو خلق أو عمل أو علاقة. وصدفتها قد تُقرأ على أنها بناء يتسع مع الأيام، فالسلحفاة تكبر وتكبر معها صدفتها. وقد تدل في بعض الأحوال على أن التسرع سيعيق المسيرة.
والأمانة تقتضي القول إن السلحفاة لم تُفرد في كتب التعبير الأقدم بباب خاص، فكل ما يتصل بالتدرج هو من قياس المتأخرين على طبعها وعلى ما يُعرف عنها من نمو بطيء. ونُسب إلى ابن سيرين أن الأحوال في المنام تُحمل على ما يدل عليه ظاهرها وطبعها، ولا يوجد عنه فيما نعلم نص خاص في السلحفاة. وذهب بعض المفسرين إلى أن المشي المتدرج يدل على تقدم في الأحوال بتأنٍّ. وقد اختلفوا في كثير من التفاصيل، فلا يصح أن يُتخذ رأي منها فيصلاً.
وللسياق أثر في المعنى، فسلحفاة تصعد درجات واضحة قد تُقرأ على أنها مراحل معلومة في طريقك. وسلحفاة تنمو أمام عينيك قد تُقرأ على أنها كبر مشروع أو خلق أو علاقة مع الأيام. وسلحفاة تتخطى عقبة صغيرة قد تُقرأ على أن العقبات اليسيرة تُتجاوز بالتؤدة. وإن كان الرائي هو الذي يحملها إلى أعلى فقد يعبّر عن عونه لمن هو أضعف. وإحساس الرائي يرجح المعنى كالعادة.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُقرأ المنام على أنه تشجيع على بناء عمل أو مهارة أو رصيد معرفي على مراحل لا تُرهق. وإن كان يسعى إلى إصلاح حال فقد يعكس أن الإصلاح يتم بخطوات صغيرة. وإن كان يربي أبناء فقد يتصل بالتدرج في تعليمهم وتأديبهم. وهي قراءات عامة للتأمل.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ المنام على أنه تذكير بأن نضج حياتها يتشكل مع الوقت، وأن من الحكمة ألا تستعجل مرحلة قبل أوانها. وللمرأة المتزوجة قد يتصل ببناء الألفة والتفاهم في البيت مع السنين. وللحامل قد يكون انعكاساً لمراحل الحمل التي تمر أسبوعاً بعد أسبوع، وهو معنى لطيف لا يخبر بشيء. وللأم قد يتصل بتدرج نمو أبنائها.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يُلاحظ اتجاه الصعود، فالصعود يدل على ارتقاء بالتدرج، والنزول قد يدل على تراجع مؤقت أو تبسيط، وهذا ليس شراً بالضرورة. وإن كانت الدرجات عالية فقد توحي بهدف كبير، وإن كانت منخفضة فقد توحي ببساطة الخطوات. وإن توقفت السلحفاة في منتصف الطريق فقد توحي بحاجة إلى استراحة. وهذه تفريعات تقريبية.
وفي الجانب النفسي والعملي، فإن التدرج هو أحد أسرار الاستمرار في أي مشروع حسن، فالتغييرات الكبيرة المفاجئة كثيراً ما تنهار سريعاً، بينما التغييرات الصغيرة المتكررة تدوم. ومن الحسن أن يختار الإنسان عادة واحدة يطورها بلطف، وأن يقيس تقدمه على مدى أسابيع لا ساعات. ويفيد أن يتسامح مع نفسه عند الانتكاس، فالتدرج يتضمن العودة. وأن يستعين بصحبة داعمة ونظام واضح.
ومما يحسن ذكره أن حب الإنسان للتغير السريع يجعله يحتقر الخطوة الصغيرة، والسلحفاة تعلّمنا غير ذلك، فكل خطوة هي جزء من الطريق. وفي كثير من الأحوال يكون الفرق بين من أنجز ومن لم ينجز هو الاستمرار لا الموهبة. وهذا المعنى مفيد في كل مجال من مجالات الحياة.
ومما يُشار إليه أن التدرج لا يعني الفتور، فالسلحفاة في حقيقتها لا تتوقف عن الحركة، وإنما تضبط سرعتها بما تطيق. وكذلك ينبغي أن نفهم هذا المنام، فهو لا يبرر الكسل ولا التسويف، وإنما يدعو إلى إيقاع معتدل يمكن الاستمرار عليه. وقد يحسن بالرائي أن يسأل نفسه عن الخطوة الصغيرة التي يمكنه أن يخطوها اليوم، فمثل هذا السؤال البسيط قد يغير مجرى أسابيع كاملة.
ويلاحظ كذلك أن بعض الناس يرون في هذه الصورة تأكيداً لما يشعرون به من أنهم في منتصف الطريق، لا في أوله ولا في آخره، وهذا الشعور شائع جداً وليس فيه ما يدعو إلى الانزعاج. فالمنتصف هو أطول المراحل وأكثرها حاجة إلى الصبر، ومن اجتازه بسلام وجد الباقي أيسر.
وفي الختام فإن تأويل الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُعتمد عليه في تحديد مراحل الحياة ولا في اتخاذ قرار حقيقي. فمن رأى هذه الرؤيا فليأخذ بالأسباب وليدع الله بالتوفيق ويحسن الظن به. وعلم الغيب عند الله وحده، وهو سبحانه أعلم بالأوقات المناسبة لكل أمر.
