قد يرى الإنسان في منامه سلحفاة هائلة الحجم تحمل على ظهرها بيتاً كاملاً بنوافذه وأبوابه، أو تحمل قرية صغيرة أو مجموعة من الناس، وهي تمشي بخطى بطيئة وثابتة. وهذه صورة خيالية تتجاوز الواقع، وهي من الأحلام الغريبة التي يتذكرها الناس بسهولة لعظمها ودهشتها. وتفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، وما يرد هنا قراءة محتملة لصورة غير واقعية أصلاً، وليس فيه إخبار عن شيء مقبل.
حين تتضخم السلحفاة في المنام وتحمل بيتاً فإن المعنى الرمزي يتضخم معها، فتصبح الصورة رمزاً لمسؤولية كبيرة تتحملها شخصية ثابتة تؤوي من حولها. ولذلك يقرؤها المتأخرون على أنها صورة لرب الأسرة أو الأم أو كل من يحمل عبء رعاية الآخرين بصبر وقوة هادئة. وقد ترمز إلى مؤسسة أو عمل كبير يعتمد عليه كثيرون، ويسير ببطء لكن بثبات. وقد تدل على قوة صامتة تحمل أكثر مما يظهر منها، وتستحق التقدير. وقد يكون فيها أيضاً معنى الثقل الشديد الذي يحتاج إلى تخفيف.
والإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن السلحفاة لم تنل في كتب التعبير الأقدم باباً واسعاً، وأن هذا المشهد الخيالي بعينه لا نظير له في تلك الكتب، فكل ما يُقال هنا قياس على معاني الحجم العظيم والبيت والسلحفاة. ونُسب إلى ابن سيرين أن عظم الحيوان في المنام قد يدل على عظم أمر صاحبه أو شدة سلطانه، وأن البيت يدل على حال أهله وستره، وهذه أقوال عامة في الأبواب. وذهب بعض المفسرين إلى أن من يحمل غيره في المنام فهو كافلهم. وقد اختلفوا في كل ذلك اختلافاً بيّناً، فلا يُعتمد على قول واحد.
وللسياق أثر كبير، فسلحفاة ضخمة هادئة يسير تحتها الناس بأمان قد تُقرأ على أنها كفالة ورعاية مطمئنة. وسلحفاة تنوء بحملها وتتعثر قد تُقرأ على أن عبء المسؤولية يحتاج إلى معين. وسلحفاة تحمل بيتاً يتسع للجميع قد تُقرأ على أنها كرم وإيواء، وإن كان البيت ضيقاً فقد يشير إلى حاجة إلى توسيع الموارد والصدر. وإن كان الرائي داخل البيت فقد يشعر بالأمان، وإن كان خارجه فقد يشعر بالبعد. وشعور الرائي هو الميزان.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُقرأ المنام على أنه إحساس بعظم مسؤوليته عن أهله وعمله، مع دعوة إلى تقاسم العبء والتخفف منه بالتدريج. وإن كان صاحب عمل كبير فقد يتصل بالمسؤولية عن عمال وأسر يعتمدون على مؤسسته. وإن كان ابناً بارّاً فقد يرمز إلى رعاية والديه. وكل هذا لا يخرج عن إطار الرمز.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ المنام على أنه تصور لبيت كبير آمن تتمنى أن تجده أو تبنيه، ورغبة في الاستقرار والستر. وللمرأة المتزوجة قد يكون صورة لدورها في حمل البيت بصبر وحنان، مع رمز لتعبها الذي لا يُلتفت إليه أحياناً. وللحامل قد يرتبط بالإحساس بحمل ثقيل ومسؤولية قادمة، وهو شعور طبيعي. وللأم العاملة قد يرمز إلى توفيقها بين مهامها الكثيرة.
ومن التفاصيل الدقيقة النظر في حال البيت المحمول، فإن كان نظيفاً مضيئاً فقد يوحي بسكينة، وإن كان متداعياً فقد يوحي بحاجة إلى إصلاح. وإن كان فيه أطفال يلعبون فقد يدل على حنان وأمل، وإن كان خالياً فقد يدل على شعور بالوحدة. وإن كانت السلحفاة تسير في ماء فقد يوحي بأن الحمل في ظروف غير مستقرة، وإن كانت على الأرض الراسخة فبأن الحمل في استقرار. وهذه تفريعات تقريبية لا يُقطع بها.
وفي الجانب النفسي والعملي، فإن من يحمل مسؤولية كبيرة بحاجة إلى أن يتذكر أنه إنسان له طاقة محدودة، وأن من حقه أن يطلب العون ويقسم المهام وأن يحتفظ بوقت للراحة. فالسلحفاة الضخمة وإن كانت قوية فإنها تتعب إن أُفرط عليها. ومن الحسن أن يحيط الإنسان نفسه بمن يشاركونه الحمل، وأن يضع حدوداً لما يتحمله، وأن يعتني بصحته. ومن لا يحمل مسؤولية كبيرة فقد يرى في الصورة تقديراً لمن يحملونها.
ومن الجميل أن في هذه الصورة تذكيراً بشكر من يحمل عنا أحمالاً لا نراها، من والدين ومعلمين وأهل، وبأن نخفف عنهم ما استطعنا. فقد يكون المنام دعوة إلى برّ وإحسان وتقدير، وهذه معانٍ طيبة لا تتوقف على صحة التفسير.
ويلاحظ أن الأحلام ذات الأحجام الضخمة غير الواقعية كثيراً ما تأتي في فترات يشعر فيها الإنسان بأن أموره أكبر منه، فتتضخم الصور بقدر ما تتضخم المشاعر. وهذا لا يعني مرضاً ولا شراً، فهو أسلوب العقل في التعبير بالصور عما يثقله. ومن ثم فإن الأنفع للرائي أن يسأل نفسه عما يحمله فعلاً في حياته، وأن يرتب أولوياته، وأن يطمئن إلى أن للضخامة في المنام تأويلاً نفسياً أكثر منه خارجياً.
وفي الختام فإن تأويل الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في مسؤولية أو سكن. فمن رأى هذه الرؤيا فليدع الله بالإعانة وليحسن الظن به ويأخذ بالأسباب. وعلم الغيب عند الله وحده، وما أثقل كاهل المرء من حمل فهو بقدر ما يطيقه بإذن الله.
