كثيراً ما تحدث نساء متزوجات عن رؤيتهن سلحفاة في المنام، في بيتها أو في حديقة أو عند مدخل الدار، فيتساءلن عن دلالة هذه الصورة في حياتهن الأسرية. وهي في الغالب رؤيا هادئة، قد يرافقها شعور بالفضول أو الطمأنينة. ونقدم بأن التفسير رمزي عام لا يتناول شخصاً بعينه، ولا يحمل حكماً على بيت أو زوج أو أولاد. فالأحلام تتشكل من هموم الرائية ومشاعرها اليومية، وما نذكره محاولة لفهم الرمز على وجه الاحتمال.
والسلحفاة عند المتأخرين رمز للصبر والتأني والحماية وطول العمر والبيت المحمول. وقد تتصل صورتها عند المرأة المتزوجة بمعنى الأسرة والمسكن، فهي تحمل بيتها أينما ذهبت، والمرأة غالباً تحمل مسؤولية بيتها بصبر وتدبير. فتُقرأ الصورة على أنها تقدير رمزي لهذا الصبر، أو دعوة إلى الحفاظ على سكينة البيت. وقد تدل كذلك على أمر في الأسرة يسير ببطء لكنه ثابت، كتربية الأولاد أو بناء مسكن أو ادخار متدرج.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الحيوانات أن الدواب الوديعة في البيت قد تدل على الألفة والرزق أو على أهل البيت بحسب الحال، وهي قاعدة عامة لا يُجزم بدقة نسبتها، ولم يخص بها المتزوجة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الحيوان المسالم في الدار تدل على سكينة ومعيشة هادئة. ونقول بصراحة إن السلحفاة أقل حضوراً في أقدم كتب التعبير من الحيوانات الكبيرة، ولذلك فأكثر ما يقال عنها بالنسبة لأحوال الرائين قياس واجتهاد من المتأخرين. وقد اختلفوا في ذلك، ولا يصح توجيه قول منه إلى شخص بعينه أو فئة بعينها.
ويتغير المعنى بتغير المكان والهيئة. فإذا كانت السلحفاة داخل البيت هادئة فقد يدل ذلك على استقرار وراحة، وإذا كانت عند الباب فقد يدل على حماية أو على انتظار أمر، وإن كانت في الحديقة فقد يدل على نماء وبركة. وإن كانت صغيرة فالأمر خفيف مبارك، وإن كانت كبيرة فقد يدل على مسؤولية أكبر. ومشاعر الرائية من فرح أو قلق تضيف إلى المعنى كثيراً.
وفي شؤون الأسرة قد تعبر الرؤيا عن دعوة إلى الصبر على أمور التربية وتدبير المنزل، فالتربية عمل طويل لا يظهر أثره سريعاً. وقد تشير إلى تعاون بين الزوجين حين تُرى السلحفاة مع الزوج في الحلم، وهذا معنى ظني لا يُقطع به، ولا يُبنى عليه حكم في علاقة. وقد تدعو الرائية إلى الاعتدال في الانفعال مع أفراد الأسرة، وإلى اختيار الكلمة اللينة.
وفي شؤون المال والمعيشة قد تدل الصورة على ادخار هادئ وإنفاق معتدل، فالسلحفاة لا تسرف ولا تستعجل. وللمرأة العاملة قد تدل على موازنة بين العمل والبيت بصبر. وإن رأتها تأكل أو تشرب فقد تُقرأ على بركة في الرزق، وإن رأتها منكمشة فقد تُقرأ على حاجة إلى التحفظ. ولا يعد هذا نصيحة مالية، فالقرارات تؤخذ بالمشورة والدراسة.
ومن التفاصيل المعتبرة هل كانت السلحفاة تتحرك أم ساكنة، وهل كان الأولاد معها، وهل أخذتها الرائية إلى مكان آمن. فرعايتها تدل على نية حسنة في حفظ الأسرة. وهل كانت نظيفة الدرع سليمة، فالسلامة توحي بسلامة الأحوال. وهل خرجت من البيت أم دخلت، فالدخول يوحي بألفة والخروج قد يدل على تغير مؤقت.
ومن الجانب النفسي قد تعبر الرؤيا عن إرهاق من مسؤوليات متراكمة، وعن حاجة المرأة إلى أن تعتني بنفسها كما تعتني بغيرها. فالسلحفاة تحمل بيتها لكنها تتوقف فتستريح، وتنكمش حين تحتاج إلى الهدوء. ومن الجميل أن تخصص المرأة لنفسها وقتاً للراحة والذكر وللاستمتاع بما تحب، وأن تطلب العون من أسرتها. فالرفق بالنفس يعين على الصبر الطويل.
ولا ينبغي أن تُحمل الرؤيا على اتجاه معين نحو أحد من أهل البيت، فهي ليست مرآة لعيب في أحد، بل تأمل عام. ومن الحكمة أن تقابل الأحلام بحسن الظن بأهلها وبالدعاء لهم. وكثير من الأحلام لا يعدو أن يكون صدى لمشهد في اليوم السابق.
ويحسن أن تتذكر المرأة التي ترى هذه الصورة أن الصبر الذي تبذله في بيتها عبادة وإحسان، وأن الرؤيا قد تكون تذكيراً لطيفاً بقيمة ما تقدمه كل يوم دون ضجيج. فالسلحفاة لا تعلن عن سيرها ولكنها تصل، وكذلك كثير من أعمال البيوت تُنجز بصمت وتُثمر بركة. وليس في هذا المعنى جزم بشيء مما سيكون، وإنما هو تأمل يرفع المعنويات ويعين على المواصلة.
ومن المناسب أن تنتبه المرأة إلى أن الدرع في السلحفاة يرمز إلى الحدود الصحية التي تحفظ الإنسان، فلا بأس أن تضع لنفسها حدوداً لطيفة تحميها من الإرهاق ومن كثرة المطالب. وأن تطلب العون من الأسرة عند الحاجة دون أن ترى في ذلك تقصيراً. وهذا فهم نفسي هادئ يستفيد منه كل من يتأمل الرمز، ولا يتعلق بتحقق شيء في الواقع.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في بيت أو مال أو علاقة أو سفر. والأولى أن تقابل الرائية ما ترى بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الخير لأهلها. فالغيب مما اختص الله بعلمه، وما نقوله لا يتجاوز التأمل في الرموز. والله أعلم.
