قد يرى الإنسان في منامه سلحفاة تتكلم معه بصوت هادئ بطيء، تسأله أو تنصحه أو تحكي له شيئاً بلغة مفهومة. وهي صورة طريفة وخيالية تعلق بالذاكرة، ويتساءل صاحبها عن معنى كلامها وما أرادت قوله. ونقدم بأن التفسير رمزي عام لا يعني وصول رسالة غيبية ولا خبراً عن شيء، فالأحلام تصوغ خواطر النفس في أشكال متخيلة. وما نذكره قراءة احتمالية لفهم الرمز لا حكم قاطع.
والسلحفاة عند المتأخرين رمز للصبر والتأني والحماية وطول العمر والحكمة التي تأتي مع الزمن. وحين تتكلم فإن الحكمة تأخذ صوتاً، فيصير المنام أشبه بحوار داخلي بين الرائي وجانب هادئ متأنٍّ من نفسه. وقد يكون ما قالته نصيحة بالتروي أو تذكيراً بشيء نسيه أو تعبيراً عن حاجة إلى الإصغاء. وهذا المعنى أقرب إلى صدى الضمير منه إلى خبر من الخارج.
نُسب إلى ابن سيرين في باب كلام الحيوان في المنام أن كلامه قد يُحمل على صدق ما يقوله أو على حال المتكلم بحسب القرائن، وهي قاعدة عامة لا يُجزم بدقة نسبتها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن نطق الدواب في المنام يرجع إلى مضمون كلامها، فإن كان حسناً فهو خير وإن كان قبيحاً فهو تحذير، ولا يُجزم بهذا. ونقول بصراحة إن السلحفاة أقل حضوراً في أقدم كتب التعبير من الحيوانات الكبيرة، ولذلك فأكثر ما يقال عنها قياس واجتهاد من المتأخرين. وقد اختلفوا في ذلك، ولا يصح توجيه شيء منه إلى شخص بعينه أو فئة بعينها.
ويتغير المعنى بتغير مضمون الكلام ونبرته. فإن كان كلامها رفيقاً ناصحاً فقد يدل على حاجة الرائي إلى الطمأنينة والتروي، وإن كان لوماً لطيفاً فقد يدل على مراجعة ضمير حي. وإذا كان كلاماً غير مفهوم فقد يدل على أمر لم يتضح بعد في نفسه. ونبرة الصوت وهدوءه ومكان الحوار أمور تضيف للمعنى، فالصوت الدافئ يوحي بالقبول، والمتحشرج قد يوحي بحاجة إلى مزيد من التأمل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل كلام السلحفاة على حاجتها إلى الإصغاء إلى صوتها الداخلي قبل اتخاذ قرار، وإلى مشورة هادئة تأتي من حيث لا تحتسب. وقد يُقرأ كذلك على أنها تحتاج إلى من تتحدث إليه بصدق. وكل ذلك احتمال لا أكثر، ولا يعني أن رسالة محددة وصلتها.
وللمرأة المتزوجة قد يدل على حاجة إلى حوار هادئ في البيت وإلى الاستماع لبعضهم بصبر، وللرجل قد يدل على تذكير بالتروي في كلامه وقراراته. وللتاجر قد يدل على أهمية حسن الإصغاء للعملاء والشركاء. ولا يصح أن يُتخذ من كلام السلحفاة في الحلم أي توجيه فعلي، فالتوجيه الحقيقي يؤخذ من أهل العلم والخبرة والمشورة.
ومن التفاصيل الدقيقة هل بدأ الكلام من السلحفاة أم أجابت عن سؤال من الرائي، فمبادرتها قد تدل على ما يشغل النفس دون أن تنتبه له. وهل تذكر الرائي ما قالته بعد الاستيقاظ أم نسيه، فالنسيان يدل على أن الرسالة ليست ذات أهمية كبيرة، والتذكر قد يدل على اهتمام نفسي. وهل بدا عليها العمر والوقار، وهل كان معها آخرون يسمعون. وهل خُتم الحلم بسلام أم بتوتر.
ومن الجانب النفسي قد يعكس هذا الحلم تأثير أفلام الرسوم المتحركة أو القصص التي تنطق فيها الحيوانات، كما قد يعكس حاجة إلى أن يسمع الإنسان صوتاً هادئاً يطمئنه في زحام الأفكار. ومن المفيد أن يخصص وقتاً للتأمل والخلوة مع نفسه، وأن يكتب ما يشغله ليرتب أفكاره. وهذه عادات تساعد على أن يسمع المرء حكمته الداخلية. وهي أنفع من الانشغال بتأويل كل كلمة قيلت في المنام.
ويحسن في هذا الباب خاصة أن يتحرى الإنسان الحذر من تحويل كلام الأحلام إلى أوامر، فما تقوله الشخوص الخيالية في المنام ليس خبراً مؤكداً ولا توجيهاً ملزماً. وإنما هو صدى لأفكارنا نفسها. وعلى ذلك فلا يجوز أن يبني أحد على كلام السلحفاة في المنام قراراً في حياته، ولا أن يتهم به أحداً.
وقد يكون الكلام في المنام من أثر شاشة أو كتاب، وقد يكون من أضغاث الأحلام التي لا تفسير لها. ومن الخير ألا نثقل أنفسنا بها. وإذا أقلق الأمر صاحبه فليتوجه إلى الدعاء والذكر وليحدث من يثق به.
ويستحسن أن يتذكر الرائي أن للصمت الوقور في كلام السلحفاة معنى أيضاً، فلو قلّ كلامها وطال سكوتها كان ذلك أقرب إلى طبعها المعروف بالهدوء. وقد يكون المقصود أن بعض الحكمة تُنال بالإنصات لا بالكلام، وأن أنفع النصائح ما جاء بلطف دون إلحاح. وهذه قراءة تأملية ظنية تصلح لأن تكون مدخلاً إلى مراجعة طريقتنا في الكلام والإصغاء في حياتنا اليومية.
ومن اللطائف أن الإنسان قد يستيقظ من حلم كهذا وفي نفسه رغبة في أن يسأل من هو أكبر منه سناً أو أكثر خبرة، وهذا في ذاته خير. فالسلحفاة رمز للمعمّرين وأهل التجربة، ومن كلمهم بأدب وتواضع انتفع بتجاربهم. وبذلك يتحول الحلم إلى دافع لصلة الأرحام والجلوس مع كبار السن والاستفادة منهم، وهو فهم أخلاقي جميل لا يعتمد على التأويل الغيبي.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في عمل أو علاقة أو مال أو سفر. والأولى أن يقابل الرائي ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الخير. فالغيب مما اختص الله بعلمه، وما نقوله لا يتجاوز التأمل في الرموز. والله أعلم.
