قد يرى الإنسان في منامه سلحفاة لها رأسان، يتجه كل منهما إلى جهة، أو ينظران إليه معاً بهدوء، وتمشي ببطء كأن شيئاً لم يكن. وهذه صورة غريبة خيالية لا وجود لها في الواقع عادة، وقد تثير الدهشة أو الفضول. وينبغي أن نؤكد منذ البداية أنها صورة رمزية ليس فيها ما يُخيف، وأن تفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، وما يرد هنا قراءة محتملة هادئة، وليس فيه تنبؤ بشيء.
الرأس في الصورة الرمزية موضع التفكير والاتجاه والقرار، وحين يتعدد في جسد واحد فقد يُقرأ على أنه تعدد في الآراء أو الاتجاهات داخل الأمر الواحد. ولذلك قد يقرؤها بعض المتأخرين على أنها صورة للتردد بين خيارين أو لتجاذب بين رغبتين، وهي حالة إنسانية شائعة عند من يقف أمام مفترق. وقد تُقرأ على وجه لطيف آخر هو سعة النظر ورؤية الأمر من جهتين. والسلحفاة بطبعها هادئة، فيمتزج تعدد الرؤوس بسكينة الحركة، وكأن الصورة تقول إن التروي ممكن حتى مع تعدد الخيارات.
وبصراحة فإن السلحفاة لم تنل في كتب التعبير الأقدم باباً واسعاً، وإن هذه الصورة الخيالية لا ذكر لها فيما نعلم، فكل ما يُقال هنا قياس محض على معنى الرأس ومعنى السلحفاة. ونُسب إلى ابن سيرين أن زيادة العضو في الحيوان أو الإنسان في المنام قد تُحمل عند بعضهم على زيادة في معنى ذلك العضو، وهذا قول عام لا يخص السلحفاة، ولم يتفق عليه المفسرون. وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الأعضاء عن المعتاد يدل على أمر يخالف المألوف. وقد اختلفت أقوالهم، فلا يُعتمد أحدها.
وللسياق أثر كبير في توجيه المعنى، فإن كان الرأسان متفقين في الاتجاه فقد يُقرأ ذلك على أنه اتفاق بين رأيين أو رغبتين. وإن كان كل منهما يتجه إلى جهة فقد يُقرأ على أنه تجاذب يحتاج إلى حسم هادئ. وإن كانا ينظران إلى الرائي فقد يُقرأ على أنه دعوة إلى الإصغاء إلى صوتين في داخله. وإن كان أحدهما صغيراً فقد يُقرأ على أن أحد الاتجاهين أضعف. وشعور الرائي هو الأقرب إلى المعنى، فالفضول غير الانزعاج.
وإذا كان الرائي رجلاً فقد يُقرأ المنام على أنه تردد بين عملين أو قرارين، وقد يعكس حاجته إلى استشارة أهل الخبرة قبل الحسم. وإن كان تاجراً فقد يتصل بتفكيره في أكثر من فرصة. وإن كان متزوجاً فقد يعكس موازنته بين التزامات متعددة. وكل هذا لا يعدو أن يكون تأملاً.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة فقد يُقرأ المنام على أنه تردد بين اختيارين في دراسة أو عمل أو شأن شخصي، مع طمأنة بأن التروي أولى من الاستعجال. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بموازنتها بين بيتها وعملها أو بين رغبتها وما يُطلب منها. وللحامل قد يكون صدى لتفكيرها في أمور كثيرة قادمة. وللأم قد يوحي بتعدد اهتماماتها بأبنائها.
ومن التفاصيل الدقيقة النظر في هيئة الرأسين وسلوكهما، فإن كانا هادئين فالمعنى أقرب إلى التروي، وإن كانا يتنازعان فهو أقرب إلى الصراع الداخلي. وإن كان للرأسين لونان مختلفان فقد يرمز ذلك إلى اختلاف طبعين. وإن كانا ينامان معاً فقد يدلان على استراحة الفكر. وإن كانا يأكلان من طعام واحد فقد يدلان على اتفاق في مصلحة. وهذه تفريعات تقريبية ولا تثير قلقاً.
وفي الجانب النفسي والعملي، فإن التردد من الأمور الطبيعية عند اتخاذ القرارات، ومن الحسن أن يكتب الإنسان ما في كل خيار من مزايا وعيوب، ويستشير من يثق برأيهم، ويستخير ربه، ثم يمضي في ما يطمئن إليه قلبه. ويفيد ألا يطلب الكمال في القرار، فلا يوجد خيار بلا ثمن، وأن يتقبل أنه قد يخطئ ويصيب. ومن اشتد عليه التردد فلا بأس أن يطلب مساعدة صديق أو مرشد، فالتشاور يخفف الحمل.
ومما يمكن أن يُقال بلطف إن الصورة الغريبة كثيراً ما تأتي لأن العقل يحب الاختصار بالرموز، فيستعمل رأسين ليعبر عن حيرة طويلة. ولا شيء في ذلك يدعو إلى الريبة أو الخوف، فالأحلام أحياناً تشبه الرسوم التوضيحية التي تُصنع لتبسيط فكرة. وبعد أن يفهم الرائي الفكرة العامة يمكنه أن يتركها.
ويحسن أن يلتفت الرائي إلى أن الأحلام تمزج الصور بحرية، فتجمع عناصر لا تجتمع في الواقع كأن ترى رأسين لجسد واحد، وهذا من طبيعة النوم لا من علامات الشر. وكثير من الناس يرون أمثال هذه التراكيب الغريبة دون أن تكون لها دلالة تُذكر. ولذلك فإن خير ما يفعله هو أن يتأمل الفكرة العامة اللطيفة، ثم يترك التفاصيل الغريبة وشأنها.
وقد يرى بعضهم في الرأسين معنى التعاون، أي أن في الأمر عقلين يتشاوران، وهذا يناسب من يشاور أهله أو شريكه في عمل. وهذه قراءة مبسطة لا تصح أن تُعدّ قاعدة، لكنها تبين كيف يمكن لصورة واحدة أن تحتمل معاني متقابلة بحسب حال الرائي.
وفي الختام فإن تأويل الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في أي خيار من خيارات الحياة. فمن رأى هذه الرؤيا فليستخر ربه ويستشر الثقات وليحسن الظن بالله. وعلم الغيب عند الله وحده، وهو الذي يعلم ما فيه الخير للعبد في كل أمر.
