يتفق كثير من المفسرين على أن الماء في المنام رمز جامع للرزق والعلم والحياة الطيبة، وهو أصل كل نماء وبركة، فإذا ظهر صافياً غزيراً في الرؤيا دل ذلك على خير واسع يعم الرائي ومن حوله، وإذا ظهر شحيحاً أو عكراً مال المعنى إلى ضيق مؤقت أو جهد يُبذل دون أن يظهر أثره الكامل فوراً، وهذا الأصل هو ما يوجه فهم مشهد ري الأرض الزراعية بكل تفاصيله وسياقاته المختلفة.
وقد ورد عن ابن سيرين كلام يخص هذا المشهد تحديداً، إذ ذُكر أن رؤية الشخص المهموم وهو يروي زرعه أو يسقيه بالماء في منامه دلالة على زوال همه وتبدل حاله إلى الراحة والسكينة، كما نُسب إليه أن ري الأرض الزراعية بماء صافٍ في منام المتزوج قد يرتبط بخير يخص أسرته وذريته، وهذا ما يجعل هذا المشهد محمولاً على التفاؤل في أغلب صوره ما دام الماء نقياً والري عن رغبة صادقة لا عن إكراه.
ويختلف المعنى بحسب نوع الماء المستخدم في الري، فري الأرض بماء صافٍ نقي يرمز إلى حسن تربية الأبناء وإدارة شؤون المال بطريقة مشروعة، بينما الري بماء عكر أو غير نظيف قد يشير إلى إنفاق مال مشكوك في مصدره على الأسرة، أو إلى تربية تفتقر إلى بعض الحزم والانتباه، وهذا التفصيل يستحق التأمل لأنه يغير كثيراً من الدلالة العامة لمشهد الري في المنام.
ومن زاوية أخرى فإن ري أرض واسعة يملكها الرائي يحمل دلالة أقوى من ري أرض صغيرة أو مستأجرة، إذ يشير الأول إلى اتساع في مصادر رزقه واستقرار طويل الأمد، بينما يميل الثاني إلى دلالة خير محدود لكنه حقيقي وملموس، كذلك فإن رؤية الأرض وهي تُغرق بكمية كبيرة من الماء قد تشير إلى وفرة تفوق حاجة الرائي، وربما يحتاج معها إلى حسن التدبير حتى لا يذهب جزء من هذا الخير هدراً دون فائدة تُذكر، وإن كان الري بواسطة قناة محفورة بعناية فذلك يرمز إلى تخطيط سليم ينظم به الرائي موارده بدل أن يتركها عرضة للتبديد والفوضى.
بالنسبة للفتاة العزباء فإن رؤيتها نفسها تروي أرضاً زراعية بماء صافٍ تحمل بشارة بمرحلة من النماء في حياتها، سواء في جانب دراستها أو مشروع شخصي تسعى لإنجاحه، وكلما كانت الأرض في الحلم خصبة سريعة الاستجابة للماء دل ذلك على قرب تحقق ما تطمح إليه، أما إن كانت الأرض قاسية بطيئة الاستجابة فقد يشير ذلك إلى حاجتها لمزيد من الصبر والمثابرة قبل بلوغ غايتها.
أما المرأة المتزوجة فري الأرض الزراعية في منامها يرتبط غالباً بحرصها على استقرار بيتها ورعاية أبنائها، وكلما رأت الزرع يخضر وينمو بعد الري دل ذلك على توفيقها في تربيتهم وحسن تدبيرها لشؤون أسرتها، وقد يحمل المشهد أيضاً بشارة برزق إضافي يصل إلى بيتها في المرحلة القادمة، خصوصاً إن كان الماء المستخدم في الري وفيراً صافياً دون عكارة تُذكر.
وإن رأت الحامل نفسها تروي أرضاً زراعية بالماء فهذا مما يُستبشر به عادة من جهة نمو جنينها نمواً صحياً منتظماً، تماماً كما تنمو الأرض بالري المستمر، وقد يشير أيضاً إلى استعدادها الفطري لاستقبال مسؤولية الأمومة بكل ما تحمله من رعاية وعطاء متواصل، وكلما كان المشهد هادئاً خالياً من التعب زاد ذلك من دلالة الطمأنينة التي تحتاجها في هذه المرحلة الدقيقة من حياتها.
أما الرجل فري الأرض الزراعية في منامه يرتبط غالباً بسعيه في تحصيل رزقه من خلال جهد متواصل ومستمر، وقد يدل على نجاحه في مشروع يعمل عليه منذ فترة أو توسعه في مصدر دخل كان محدوداً من قبل، وإن كان يروي أرضاً بها أنواع مختلفة من الزرع فذلك يشير إلى تنوع مصادر رزقه وقدرته على إدارة أكثر من مسؤولية في وقت واحد دون أن يفرط في إحداها، وإن رأى نفسه يروي أرضاً ورثها عن أهله فذلك يشير إلى حرصه على الحفاظ على ما تركوه له وتنميته بدل تبديده أو إهماله.
ومن التفاصيل التي تزيد المشهد دقة حال الأرض قبل الري وبعده، فإن كانت متشققة جافة ثم أحياها الري دل ذلك على فرج عظيم بعد عسر طويل، وإن كانت رطبة أصلاً فالمعنى أقرب إلى استمرار حال طيب قائم بالفعل، كذلك فإن مشاركة أكثر من شخص في عملية الري تشير إلى تعاون مثمر بين الرائي وأهله أو شركائه في تحقيق هدف مشترك يسعون إليه جميعاً.
وفي الختام يبقى هذا التفسير اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى درجة اليقين، وهو علم توارثه الناس عن مفسرين قدامى وأضاف إليه المحدثون فهمهم بحسب سياق كل رؤيا، فلا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري ولا أن يورث صاحبه قلقاً من تفصيل رآه في منامه، والأولى أن يكثر من الدعاء ويسأل الله الرزق الطيب وحسن العاقبة في كل شأن من شؤون حياته.
