يشغل الماء مكانة خاصة بين رموز الأحلام عند مفسّري الرؤى القدامى، وعلى رأسهم الإمام محمد بن سيرين الذي رأى أن الماء في الغالب رمزٌ محمود يدل على الحياة والرزق والدين القويم، فمن رآه صافيًا هنيئًا فذلك بشارة بطريقٍ مستقيم وعلمٍ نافع، وقد يدل عند طالب العلم على ازدياد معرفته، وعند التاجر على اتساع رزقه، بل قد يرمز عند غير المسلم إلى دخوله في الإسلام. أما الماء الفاسد أو النجس في المنام فعلى النقيض، إذ يربطه ابن سيرين بالفساد والمعصية والمال الحرام والعلم الذي لا بركة فيه.
وتُبنى كثير من التأويلات على حال الماء ولونه؛ فالماء الصافي الرقراق يوصف عادة بأنه إشارة إلى الطمأنينة والسكينة وصفاء القلب وسلامة النية، وربما دل على قرب الشفاء لمن كان مريضًا، بينما يُنظر إلى الماء العكر أو الآسن على أنه انعكاس لهمومٍ داخلية أو قلقٍ من قرار مصيري، أو خلافات وضيق في العلاقة الزوجية إن كانت الرائية متزوجة. ومما يُستأنس به في هذا الباب أن رؤية الماء العكر وهو يتحول أمام الرائي إلى ماء صافٍ تُحمل غالبًا على بشارة بانفراج الأزمة وزوال الهم بعد قربه.
وإذا نظرنا إلى حال الرائي نفسه، فإن الفتاة غير المتزوجة التي ترى نفسها تشرب ماءً عذبًا صافيًا في منامها يُقال إن ذلك يبشرها بحياة هانئة مقبلة، وربما برجلٍ طيب الخلق يدخل حياتها، بعد أن تكون قد عاشت فترة من الترقب والقلق. أما المرأة المتزوجة فشرب الماء العذب البارد في حلمها يُفسَّر عادة بقدوم الخير والرزق والاستقرار في بيتها، وقد ربط بعض المفسرين هذا المشهد باقتراب حملها أو برزقها بذرية صالحة، فيما يدل الماء الصافي في هذا السياق على متانة العلاقة بينها وبين زوجها. وبالنسبة للحامل، فرؤيتها نفسها تشرب ماءً صافيًا تُحمل غالبًا على الصحة والعافية وتيسّر أمورها، وربما بشّرتها ببشرى سارة تنتظرها. أما الرجل الذي يرى نفسه ينال ماءً صافيًا في إناء أو قدح، فذلك يوصف بأنه خير يصيبه من جهة ولده أو زوجه.
وتحمل رؤية الدخول في الماء أو الغرق فيه دلالات تستحق وقفة مستقلة؛ فالغرق دون موت يُنظر إليه أحيانًا على أنه إشارة إلى انشغال الرائي بمسؤوليات كثيرة تثقل كاهله، وقد يختلف المعنى بحسب مكان الماء، فالغرق في نهرٍ يُربط بالتعب والمشقة، وفي سيلٍ جارف بالانقياد للشهوة، وفي بركةٍ راكدة بضيق الحال. غير أن من رأى أنه كاد يغرق ثم نجا يُقال إن في ذلك بشرى بتوبة صادقة أو فرجٍ بعد ضيق، فالماء في أصله - كما يقول كثير من المفسرين - رمز الحياة، فنجاة الرائي منه بعد خوفه تحمل معنى الخروج من أزمة كانت تلاحقه.
ولعبد الغني النابلسي في هذا الباب رأي قريب من ابن سيرين، إذ يربط الماء بالسعادة العامة وتراكم الخير والبركة، ويرى أن صفاء الماء إشارة إلى العلم وحيوية الرائي وخصب حاله. أما ابن شاهين الظاهري فقد نبّه إلى أن حكم رؤية الماء يتفاوت بحسب حال الرائي ومكان الرؤية، فقد تحمل نعمة وحياة، وقد تحمل همًّا وحزنًا بحسب صفاء الماء أو كدره، مؤكدًا أن الماء الراكد بالذات قد يشير إلى أمر لا يدوم طويلاً.
وفي كل ما سبق، يبقى من المهم أن يتذكر القارئ أن تفسير الأحلام عند علمائه القدامى هو اجتهاد بشري مبني على الاستئناس والتجربة، وليس علمًا قطعيًا ولا وحيًا يُعتمد عليه في الجزم بمصير أو حدث. فتأويل الرؤيا الحقيقي علمه عند الله وحده، ولا ينبغي أن يُبنى على رؤيا رآها الإنسان في منامه قرارٌ مصيري أو خطوة كبرى في حياته، بل يُستأنس بها كخاطرة تدعو إلى التفاؤل وذكر الله، مع ترك اليقين لله عز وجل.
