الماء في المنام يحمل في أصل تأويله معاني الرزق والحياة والعلم، غير أن حال الماء في الرؤيا يغير كثيراً من دلالته، فإذا كان صافياً حمل البشرى والخير، وإذا خالطه العكر أو الطين تبدلت الإشارة لتحمل معاني الهم والكدر وضيق العيش أحياناً، ويرى كثير من المعبرين أن حالة الماء تعكس في الغالب حالة نفسية أو واقعية يعيشها الرائي في يقظته، فالعكارة في الحلم كثيراً ما تقابل اضطراباً أو قلقاً يخالج صاحبها.
وينسب إلى ابن سيرين قوله إن الماء العكر في المنام يدل على الهموم والكدر الذي يصيب الرائي، وعلى دخوله في مشكلات قد يصعب عليه الخروج منها بيسر، كما ورد عنه أن شرب الماء العكر تحديداً من الرؤى غير المحمودة التي قد ترمز إلى مرارة العيش أو الوقوع في فتنة يصعب حلها سريعاً، وأشار بعض من نقل عن النابلسي إلى أن عكارة الماء ترتبط أحياناً بمخالطة أهل السوء أو الانشغال بأمور مشبوهة تعكر صفو النفس.
والماء العكر أو الموحل في المنام يفسره كثير من المعبرين المعاصرين بأنه انعكاس لمرحلة مرهقة يمر بها الرائي، قد تتصل بضغوط العمل أو الدراسة، أو بخلافات عائلية تجعل الأجواء من حوله مشحونة، وكلما زادت كثافة العكارة ودكنتها في المشهد، دل ذلك عند بعضهم على شدة الأزمة التي يعيشها صاحب الرؤيا، في حين أن العكارة الخفيفة قد تشير إلى إزعاج بسيط سرعان ما يزول.
ويربط بعض المعبرين بين السير في ماء عكر أو موحل وبين التورط في أمر مشبوه أو علاقة غير مريحة يصعب على الرائي الانسحاب منها بسهولة، بينما تشير رؤية الوحل الذي يلتصق بالقدمين إلى ثقل الهموم اليومية وصعوبة التخلص منها بسرعة، ويرى آخرون أن هذه الرؤية قد تكون أيضاً تنبيهاً لصاحبها كي يراجع بعض قراراته أو علاقاته التي قد تكون مصدراً لهذا الاضطراب.
أما الفتاة العزباء التي ترى الماء العكر في منامها، فقد يشير ذلك إلى مرحلة من التردد أو الحيرة تعيشها في قرار يخصها، كارتباط عاطفي لم تتضح ملامحه بعد، أو خيار دراسي أو مهني يشوبه الغموض، وقد يكون المشهد أيضاً تعبيراً عن قلق داخلي من كلام الناس أو من موقف اجتماعي محرج، وينصح بعض المعبرين في هذه الحالة بمزيد من الصبر والتروي قبل اتخاذ أي قرار مهم.
وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فإن الماء العكر كثيراً ما يفسر بوجود خلافات زوجية أو أسرية تكدر صفو البيت، أو بضيق مادي مؤقت يثقل كاهل الأسرة، وقد يرمز أيضاً إلى قلق يساورها تجاه صحة أحد أفراد أسرتها، ويرى بعض المعبرين أن هذه الرؤية تدعو صاحبتها إلى مزيد من التواصل الهادئ مع زوجها لتجاوز أي سوء فهم قد يكون سبباً في هذا الاضطراب.
أما الحامل، فقد يرتبط ظهور الماء العكر في منامها بقلق طبيعي تعيشه تجاه الحمل أو موعد الولادة، وقد يعكس إرهاقاً جسدياً أو نفسياً تشعر به في هذه المرحلة، ويرى بعض المعبرين المعاصرين أن هذه الرؤية ليست بالضرورة مؤشراً على مكروه، بل قد تكون انعكاساً لحالة القلق التي تعتري كثيراً من الحوامل، وينصحونها بالاطمئنان والاستعانة بالدعاء بدل الانشغال بتفاصيل الحلم.
وفي حق الرجل، غالباً ما يرتبط الماء العكر بضغوط العمل أو بخسارة مادية طفيفة قد يتعرض لها، أو بعلاقة يشوبها الغموض مع أحد شركائه أو معارفه، ويرى بعض المعبرين أن هذه الرؤية قد تحمل أيضاً تحذيراً من صحبة قد لا تكون في مصلحته، وتدعوه إلى مراجعة دائرة معارفه وأولوياته في هذه المرحلة.
وتتفاوت دلالة العكارة بحسب درجتها وسياقها في المنام، فالماء العكر الراكد يوحي بجمود الأزمة واستمرارها لفترة، بينما الماء العكر الجاري قد يشير إلى أن هذه الهموم في طريقها إلى الزوال تدريجياً، كما أن رائحة الماء الكريهة إلى جانب عكارته تضيف معنى الابتلاء أو المال المشبوه، في حين أن مجرد التعكر دون رائحة قد يكتفي بدلالة الهم العابر الذي لا يستمر طويلاً.
وتظل كل هذه التأويلات اجتهادات بشرية ظنية لا تصل إلى درجة اليقين، وقد تصيب وقد تخطئ، فلا يجوز اعتمادها مرجعاً لاتخاذ قرارات مصيرية أو مصدراً للقلق الدائم، والأجدر بمن يرى مثل هذه الرؤية أن يتوكل على الله، ويكثر من الدعاء والاستغفار، ويطرد عن نفسه الوسواس، فالعلم عند الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات ظنية لا تغني عن الأخذ بالأسباب والثقة بتدبير الله لعبده.
