الماء عمومًا في المنام من الرموز الكبرى التي يربطها كثير من المفسرين بالحياة والرزق والعلم، فهو أصل كل شيء حي، وكل ما يظهر عليه من صفاء أو عكارة أو غزارة أو قلة يترجم عادة إلى حال يعيشه الرائي في جانب من جوانب حياته، سواء كان ذلك في رزقه أو علمه أو استقرار قلبه، ومن أعظم صور الماء التي تحمل دلالات متعددة رؤية البحر، لما فيه من اتساع وهيبة وعمق لا يُدرك قراره.
يذكر ابن سيرين أن البحر في المنام قد يرمز إلى سلطان أو حاكم ذي هيبة وقوة يحتاج الناس إليه، وأن اتساع البحر وعمقه يشبهان اتساع الدنيا بأفراحها وأحزانها، بينما يرى النابلسي أن البحر يدل على العلم والحكمة، وقد يشير أيضًا إلى السفر والتجارة وسعة الرزق والمال، وهذا يفسر تعدد الدلالات التي تحملها رؤية البحر بحسب حال الرائي وتفاصيل حلمه.
ومن رأى في منامه أنه يشرب من ماء البحر، فقد فسر بعض العلماء ذلك بأنه إصابة مال ورزق بقدر ما شرب، وإن كان رجلاً فقد تشير الرؤية إلى مكانة أو سلطة يناله، أما إن كانت الرائية امرأة متزوجة، فقد يرمز شربها من ماء البحر إلى فرح يدخل بيتها أو زيادة محتملة في مال أسرتها.
أما الاغتسال أو الوضوء بماء البحر، فمن المعاني التي ذكرها بعض المفسرين له أنه يرمز إلى تكفير هموم أو التخفف من أعباء كانت تثقل كاهل الرائي، فمن كان مريضًا رجي شفاؤه، ومن كان مديونًا رجي قضاء دينه، ومن كان خائفًا رجي أمنه، وهذه معانٍ رمزية لا تؤخذ على إطلاقها وإنما تبقى قراءة عامة مرتبطة بحال الطهارة والتخفف. وتختلف الدلالة كثيرًا إن كان البحر هائجًا مضطربًا، إذ يربط بعض المفسرين اضطراب البحر بفتن أو متاعب يمر بها الرائي، أو بوجود من ينافسه أو يخاصمه في أمر من أموره، بينما يبقى البحر الهادئ الصافي رمزًا للطمأنينة وصفاء الحال.
ومن رأى نفسه يسبح في البحر ويصل إلى بر الأمان، فقد تشير الرؤية إلى تجاوزه لمرحلة صعبة كانت تثقل عليه، أما إن رأى نفسه يغرق في أمواجه دون أن يجد من ينقذه، فقد يعكس ذلك شعوره بالعجز أمام كثرة أعباء الحياة، وهي دعوة رمزية للاستعانة بمن حوله بدل مواجهة الصعاب وحيدًا. كما أن رؤية سفينة تمخر عباب البحر بأمان تضيف معنى الثبات وسط تقلبات الحياة، بينما اضطراب السفينة أو تحطمها قد يشير إلى قرار محفوف بالمخاطر يحتاج إلى مراجعة.
أما الفتاة العزباء التي ترى نفسها تقف أمام بحر هادئ صافٍ، فقد تكون الرؤية بشارة لها براحة قادمة أو خبر سار يغير مجرى حياتها نحو الأفضل، وربما ارتبط ذلك بفرصة تنتظرها. أما إن رأت البحر مضطربًا وهي تحاول الاقتراب منه، فقد يشير ذلك إلى تردد داخلي تعيشه تجاه قرار مهم تحتاج فيه إلى مزيد من التروي.
وبالنسبة للمرأة المتزوجة، فرؤية البحر الصافي الهادئ قد تعكس استقرارًا أسريًا ورضا عن حياتها الزوجية، أما رؤية البحر المضطرب فقد ترمز إلى خلافات أو توترات مؤقتة بينها وبين زوجها، وهي في الغالب أمور عابرة يمكن تجاوزها بالتفاهم والصبر لا رسالة نذير دائم.
أما الحامل التي ترى بحرًا واسعًا هادئًا، فقد تحمل رؤيتها معنى الطمأنينة على حملها وسلامته، وربما ارتبطت باتساع رزق قادم مع مولودها. وإن رأت البحر مضطربًا، فالأولى أن تحمل ذلك على تعب مرحلي تمر به دون أن تحمّل الرؤيا أكثر مما تحتمل من قلق.
وبالنسبة للرجل، فرؤية البحر الواسع الهادئ قد تشير إلى مكانة يبلغها أو مشروع يحقق فيه نجاحًا يتناسب مع سعة البحر الذي رآه، خاصة إن كان يعمل في التجارة أو السفر، وقد يرمز خوضه في ماء البحر إلى إقدامه على أمر كبير يحتاج فيه إلى شجاعة وحكمة معًا.
وتلعب تفاصيل الرؤية دورًا في فهمها، فلون الماء ووضوحه من أهم هذه التفاصيل، فالماء الأزرق الصافي يوحي بالخير والصفاء، بينما الماء الداكن العكر قد يشير إلى هموم أو أمور غامضة تحتاج إلى وقت لتتضح. كما أن كون الرائي على الشاطئ أو في عمق البحر له أثره، فالوقوف على الشاطئ قد يرمز إلى تأمل ومراقبة من بعيد، بينما الغوص في العمق قد يشير إلى الانخراط الكامل في أمر كبير.
وتبقى كل هذه المعاني اجتهادات بشرية ظنية توارثتها كتب التراث، لا ترقى إلى اليقين ولا ينبغي التعويل عليها في اتخاذ قرارات مصيرية أو الانشغال بها انشغالًا يقلق النفس، والأجدر بصاحب الرؤيا أن يتعوذ بالله من شرها إن أقلقته، ويكثر من الدعاء وذكر الله عز وجل، فهو وحده العالم بالغيب وما تخفيه الأيام.
