يشغل الماء في المنام مكانة محورية بين رموز الرؤى، إذ يمثل في أصل دلالته الحياة والرزق والعلم، وتتغير معانيه بحسب حاله من صفاء أو عكارة، ومن هدوء أو اضطراب، ومن زيادة أو نقصان. والفيضان بصفته حالة استثنائية من الماء الغزير الذي يخرج عن مجراه الطبيعي ويغمر ما حوله، يحمل عند أغلب المفسرين دلالة على تغيرات كبيرة ومفاجئة تعصف بحياة الرائي، قد تكون أزمة عارضة أو تحولًا جذريًا في مسار من مسارات حياته، وذلك بحسب سياق الحلم وتفاصيله.
أما انحسار الماء بعد الفيضان، أي عودته إلى الهدوء وتراجعه عن الأماكن التي غمرها، فهذه الصورة تحديدًا حظيت باهتمام في التراث التفسيري من زاويتين متعارضتين بحسب طبيعة الماء المنحسر. فمن جهة، ورد في بعض المرويات المنسوبة إلى المتقدمين أن انحسار ماء البحر في المنام حتى تظهر أطرافه وقاعه لا خير فيه، إذ يدل على القحط والفقر والجدب، ويعكس أيضًا ضعفًا في سلطة الرائي أو تراجعًا في هيبته أمام من حوله، سواء في بيته أو عمله. ومن جهة أخرى، فإن انحسار ماء الفيضان الذي كان يغمر مكانًا مظلمًا أو ضيقًا، وكشف بعد انحساره عن أرض خصبة صالحة للزرع، يُقرأ عند كثير من المعاصرين على أنه بشارة بحصول الرائي على فرصة جديدة تغيّر حياته نحو الأفضل بعد فترة من الاضطراب.
والفارق الجوهري بين هاتين الصورتين يكمن في نوع الماء ومصدره وما يظهر بعد انحساره؛ فإن كان الماء المنحسر ماء بحر واسعًا عميقًا يمثل مصدر رزق أساسيًا كالبحر الذي يعتاش منه الصيادون والتجار، فإن انحساره يشير إلى تراجع في مصدر الرزق ذاته. أما إن كان الماء المنحسر ماء فيضان طارئ كان قد سبب أذى أو خرابًا، فإن انحساره يشير إلى زوال الأذى نفسه وانتهاء الأزمة التي تسبب بها، وهذا فارق مهم يجب الانتباه إليه عند قراءة هذه الرؤيا حتى لا تُختزل في معنى واحد لا يناسب كل الحالات.
ومن رأى نفسه يخرج سالمًا من الفيضان بعد أن كان محاصرًا به، ثم رأى الماء ينحسر من حوله تدريجيًا، فإن ذلك يُعد من أقوى الإشارات على نجاته من همٍّ كبير كان يثقل عليه، وعلى زوال شر كان يتوقع وقوعه. وكلما كان انحسار الماء هادئًا تدريجيًا دون فوضى، دل ذلك على أن زوال الأزمة سيكون سلسًا لا يحتاج إلى جهد كبير من الرائي، بخلاف ما لو كان الانحسار مصحوبًا باضطراب أو دمار ظاهر، فإن الأمر حينها قد يحتاج إلى وقت أطول لترميم ما خلّفته الأزمة من آثار.
وبالنسبة للفتاة العزباء، فإن رؤية انحسار الماء بعد فيضان قد تشير إلى انتهاء مرحلة من القلق أو التوتر كانت تعيشها بخصوص أمر دراسي أو عاطفي، وأن الأمور بدأت تعود إلى نصابها الطبيعي. وإن رأت أرضًا خصبة تظهر بعد انحسار الماء، فتلك بشارة بأن فرصة جديدة وطيبة ستظهر أمامها بعد هذه المرحلة الصعبة.
أما المرأة المتزوجة، فقد ترمز هذه الرؤيا إلى انفراج أزمة زوجية أو أسرية كانت تعصف بحياتها، وأن الهدوء سيعود إلى بيتها بعد فترة من التوتر. وإن كان الانحسار في الحلم يكشف عن خراب أو أضرار في المكان الذي كان مغمورًا، فقد يكون ذلك تذكيرًا لها بأن انتهاء الأزمة لا يعني أن آثارها ستختفي فورًا، بل تحتاج إلى وقت للترميم والإصلاح.
وإذا رأت الحامل هذا المنام، فقد تكون الرؤيا انعكاسًا لشعورها باقتراب نهاية مرحلة الحمل المتعبة وبداية مرحلة جديدة أكثر استقرارًا، تمامًا كما ينحسر الماء ليكشف عن أرض ثابتة يمكن السير عليها. وهذا يحمل بشارة بأن ما تشعر به من إرهاق سيخف تدريجيًا مع اقتراب موعد الولادة بإذن الله.
أما الرجل فقد تدل رؤيته لانحسار ماء الفيضان على تجاوزه أزمة مالية أو مهنية كانت تهدد استقراره، وعودة الأمور إلى مسارها الطبيعي بعد فترة من الاضطراب. أما إن كان الماء المنحسر ماء بحر واسعًا يمثل مصدر عمله أو تجارته، فقد يحتاج إلى أخذ الرؤيا كتنبيه لمراجعة مصادر دخله والتحوط لما قد يطرأ عليها من تراجع.
ومن التفاصيل المؤثرة في هذه الرؤيا سرعة الانحسار وهدوؤه، وما يظهر من الأرض بعده من خصوبة أو جفاف أو خراب، وموقف الرائي من هذا الانحسار هل كان يراقبه بارتياح أم بقلق، فكل هذه العناصر تشكل معًا الصورة الكاملة للرؤيا ولا يصح الاكتفاء بجزء منها دون الآخر.
وفي الختام، يبقى هذا التفسير اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يرقى إلى اليقين، مبنيًا على ملاحظة وتراكم خبرة لا على علم قطعي، فلا يصح الجزم به أو البناء عليه في قرارات مصيرية. فمن رأى في منامه ما يقلقه فليكل أمره إلى الله وليدعه أن يصرف عنه كل سوء، فالدعاء والتوكل على الله خير سبيل للطمأنينة من الانشغال بظنون الرؤى.
