من المتفق عليه بين أغلب من كتبوا في تفسير الرؤى أن الماء رمز محمود الأصل، يرتبط بالرزق والعلم والحياة والخصب، فهو العنصر الذي لا تقوم بدونه حياة على وجه الأرض، ولهذا حملت رؤيته في المنام في الغالب بشارة بخير قادم، غير أن صورة الماء وحركته وموضعه تضيف تفصيلاً مهماً لهذا المعنى العام، وتزداد قوة الدلالة كلما كانت صورة الماء أكثر وفرة وحيوية وحركة.
ومن أبرز هذه الصور رؤية الشلال، فقد ورد عن ابن سيرين ما يفيد أن رؤية الشلال في المنام تدل على الحياة والخصب الكثير، وأن الشلال الكبير يرمز إلى السرور والحياة الطيبة التي ينعم بها الرائي، بينما شلال الماء الصافي يشير عنده إلى الأرزاق والانفراجات التي تنتظر صاحب الرؤيا، حتى إن بعض من نقل عن ابن سيرين اعتبر رؤية الشلال من أفضل الرؤى على الإطلاق.
وتزداد قوة هذا المعنى إذا تأملنا في طبيعة الشلال نفسه، فهو ماء غزير متدفق بقوة واستمرار، لا يعرف التوقف أو الجفاف في الغالب، وهذا ما يجعله في نظر المعبرين رمزاً للعطاء المستمر والبركة المتجددة التي لا تنقطع، خلافاً للماء الراكد الذي قد يوحي بالجمود، فحركة الشلال الدائمة تحمل معنى النماء والحيوية والتدفق المستمر في الرزق أو العلم أو الصحة.
ومع هذا الأصل المحمود، فقد نبّه بعض المعبرين إلى أن اللون قد يغير من دلالة الشلال، فمن رأى شلالاً أسود اللون في منامه فإن ذلك يدل عندهم على عيش كدر ومعاصٍ يقترب منها الرائي أو يعيشها بالفعل، وهذا يؤكد مجدداً أن لون الماء لا يقل أهمية عن شكله وحركته في عملية التأويل.
وأشار بعض المعبرين أيضاً إلى أن رؤية الشلال قد تدل على بركة تحيط بالرائي من جميع جوانب حياته، سواء في ماله أو صحته أو أولاده، وأن من رأى نفسه يسبح في الشلال وهو يعاني من مرض ما، فإن ذلك يبشر بقرب تعافيه وزوال هذا المرض عنه بإذن الله.
فإذا رأت الفتاة العزباء شلالاً صافياً كبيراً في منامها، فقد يبشرها ذلك بمرحلة مقبلة من الفرح والاستقرار بعد فترة انتظار، وربما بتحقق أمنية كانت تنتظرها طويلاً، أما إن كان الشلال مضطرباً عكر اللون فقد يكون ذلك دعوة للتروي قبل الإقدام على قرار مهم.
أما المرأة المتزوجة التي ترى شلالاً غزيراً صافياً في منامها، فقد يشير ذلك عند كثير من المعبرين إلى بركة تعم بيتها ورزق يتدفق على أسرتها، وربما إلى تجدد المودة والسعادة بينها وبين زوجها.
وفي منام المرأة الحامل، يمكن أن تُفهم رؤية الشلال الصافي الغزير على أنها بشارة بحمل يسير وولادة تمر بخير وسلامة، فتدفق الماء المستمر بلا انقطاع يوحي عند بعض المعبرين المعاصرين بنماء الجنين وصحته.
أما الرجل الذي يرى نفسه واقفاً أمام شلال كبير أو يسبح فيه، فقد يشير ذلك إلى اتساع رزقه ونجاحه في مسعى كان يسعى إليه بجد، وقد يرى بعض المعبرين في قوة اندفاع الماء رمزاً لقوة دافعة ستحمل الرائي نحو تحقيق طموحه بسرعة تفوق ما كان يتوقع.
وتختلف قوة هذا التأويل بحسب حجم الشلال وصفاء مائه وشدة اندفاعه، فالشلال الكبير الصافي الغزير أقوى دلالة من الشلال الصغير أو الضعيف التدفق، كما أن اقتراب الرائي منه والاستمتاع بمنظره يزيد من قوة البشرى. وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً في علم تفسير الأحلام، لا يرقى إلى اليقين، فلا ينبغي التعلق به في قرارات الحياة الكبرى، والأولى استقبال البشرى بالشكر لله، والالتجاء إليه بالدعاء في كل الأحوال.
ومن المفيد أن يستحضر الرائي دومًا أن هذا الباب من العلم يبقى اجتهاديًا ظنيًا يتفاوت فيه المعبرون، وأن التفاصيل الدقيقة للرؤيا قد تغير من وجهة التأويل بحسب سياقها الخاص وحال صاحبها، فلا ينبغي الجزم بمعنى واحد قاطع دون مراعاة كامل ملابسات الحلم وظروف الرائي الشخصية.
