رؤية الإنسان نفسه يبيع الخمر في المنام قد تبدو غريبة ومقلقة، خاصة لمن يعمل في أمور بعيدة كل البعد عن ذلك. وكثيراً ما يستيقظ الرائي وهو يتساءل إن كان في عمله أو كسبه ما يدعو للقلق. والجواب أن الحلم لغة رمزية، وأن ما يُرى فيه لا يعني بالضرورة أن الرائي ارتكب شيئاً في اليقظة. فالنفس أثناء النوم تستخدم صوراً مألوفة أو صادمة لتعبّر عن معانٍ تتعلق بالمال والعلاقات والقرارات. فلنتناول هذه الرؤية بتأنٍّ ورفق بالنفس.
الفرق بين بيع الخمر وشرائها أن البائع يقدّم شيئاً للناس، فتتجه الرمزية إلى ما يقدمه الرائي لغيره وما يأخذه في المقابل. ويرى بعض المفسرين أن الرؤية قد تشير إلى كسب فيه شبهة أو إلى معاملة تحتاج إلى مراجعة، أو إلى تقديم ما فيه إغراء للآخرين. وقد تكون كذلك إشارة إلى ما يعرضه الإنسان على الناس من أفكار أو وعود لا يخلو بعضها من المبالغة. ومن جهة أخرى قد تعبّر عن قلق من أن يُساء فهم عمل الرائي أو أن يُتهم بغير ما فيه. فالمعنى يتراوح بين التنبيه والتعبير عن خشية.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن البيع في الحلم يدل على التجارة بحسب نوع المبيع، وأن ما فيه شبهة قد يوحي بكسب غير صافٍ، وهذا مما يُنقل بلا جزم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى نحو ذلك في أن بائع ما يُحذَّر منه قد يتعرض لما يُنقص بركة ماله، مع التأكيد على اختلاف الأقوال. وكان بعض المفسرين ينظرون إلى هوية المشترين وحال البائع قبل إطلاق الحكم، فالتاجر الأمين غير المتهاون. فالمنقول في هذا الباب مجرد آراء تُوزن وتُراجع بحسب الظروف.
يتغير الفهم بتغير التفاصيل، فإن باع الرائي وهو كاره ومتضايق فقد يعبّر ذلك عن ضغوط تدفعه إلى أمر لا يحبه في عمله. وإن باع بحماس وربح كثير فقد يشير إلى انجذاب إلى مكسب عاجل يحتاج إلى مراجعة. ويؤثر نوع المشترين، فإن كانوا ناساً صالحين معروفين فربما ارتبط الأمر بتعامل مألوف، وإن كانوا مجهولين فربما دل على عروض غامضة. كذلك يختلف الأمر إن كان الرائي يبيع في محل أو في الطريق أو في بيته، فالمكان يعطي المشهد بعداً اجتماعياً مختلفاً.
وللرجل التاجر قد تكون الرؤية دعوة إلى مراجعة أصول بضاعته وعقوده وشركائه، دون أن يعني ذلك أن فيها خللاً. وللموظف قد تشير إلى مهام يُطلب منه أداؤها وهو غير مرتاح لها، فتجدر مراجعة ما يصادفه فيها. وللمرأة قد تدل على أمر تعرضه على الناس أو تقدمه لهم، كمشروع صغير أو رأي أو مساعدة، فتحرص على حسن النية وتحري الصدق. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى سعي لإرضاء الآخرين على حساب نفسها. وهذه كلها احتمالات لا حصر لها.
ومن التفاصيل اللطيفة ما سعر الخمر في الحلم وهل نُقدت الأموال فعلاً أم لا، فعدم القبض قد يوحي بأن المعاملة غير مكتملة أو غير مضمونة. ويُنظر أيضاً إلى حال الإناء والمكان، وإلى ما إذا كان الرائي يشعر بالخوف من الانكشاف، فهذا الخوف قد يعبّر عن قلق من أمر في الواقع. كذلك يُسأل الرائي عن أحواله الأخيرة، هل عرض عليه عمل جديد أو تعاون يحتاج إلى قرار. فربما كان الحلم صدى لانشغال حقيقي لا أكثر.
وأما الجانب العملي فهو أن يحرص الإنسان على وضوح معاملاته وصدق كلمته، وأن يتحرى في كسبه ما يطمئن إليه قلبه. ومن شعر بوجود شيء يؤرقه في عمله فليستشر أهل العلم والخبرة بهدوء، فذلك أنفع من الاكتفاء بالحلم. والتوبة والعزم على الاستقامة بابان لا يغلقان، ويكفي أن يعود المرء بنية صادقة دون إفراط في لوم النفس. ومن كان يعاني في واقعه من مشكلة مع المسكرات فليتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يساعده بلا حكم مسبق.
ولا ينبغي أن ننسى أن بعض الأحلام تأتي من خوف دفين لا من حدث فعلي، فمن يخشى أن يُظن به سوء قد يرى نفسه في مشهد يخالف صورته الحقيقية تماماً. وهذا يشبه ما يحدث للطالب الذي يحلم بالرسوب وهو مجتهد، أو للمسافر الذي يحلم بتأخر الطائرة وقد استعد جيداً. فالحلم هنا يضخّم القلق ولا يخبر بحقيقة قادمة. ومن ثم فالأفضل لمن رأى هذا المشهد أن يسأل نفسه بصدق عن مصدر قلقه، وأن يطمئن إلى أن عمله إن كان نقياً في الواقع فلا يضره مشهد عابر في المنام. وبهذا تتحول الرؤية من مصدر هم إلى فرصة لمراجعة هادئة.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قابل للخطأ، ولا يجوز أن يُتخذ سبباً لقرار حقيقي في تجارة أو عمل أو غيره. فمن رأى هذا الحلم فليلجأ إلى الدعاء وليحسن الظن بربه، فهو أرحم من أن يجعل الرؤيا سبباً لخوف عباده. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا نملك إلا أن نتحرى الخير ونتوكل عليه.
