يرى بعض الشباب في منامهم خمرًا أو مجلسًا فيه شراب، فيستيقظون وقد اختلطت في صدورهم مشاعر الاستغراب والخوف والفضول. وهذا الحلم ليس غريبًا في هذه المرحلة من العمر، فهي مرحلة تتسع فيها دائرة الأصدقاء ويكثر فيها الاحتكاك بأنماط حياة متنوعة وتظهر فيها الأسئلة الكبرى. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، فرؤية الخمر لا تعني أن الشاب فعل شيئًا غير لائق أو أنه سيفعله، ولا تدل على نقص في دينه أو خلقه. فليستقبل ما رأى بهدوء ودون تهويل.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر مسكر للعقل ومضيّع للوقت. وعند الشاب قد تُقرأ الصورة رمزيًا في جانب إغراء الأقران أو في الانجراف وراء متع عاجلة تُنسي الأهداف البعيدة. وقد تشير كذلك إلى مرحلة من الحماس الزائد وقلة التروي في قرارات مهمة كالدراسة والعمل والارتباط. وإن رآها مراقة أو رافضًا لها فقد يُفهم منه ثباته وبعده عن أمر كان يُعرض عليه. وكل ذلك من باب الاعتبار لا الحكم.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على مال فيه شبهة أو على لهو وغفلة، وأن حال الرائي هو الأساس في الترجيح. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر ترمز أحيانًا إلى فتنة وخفة رأي. لكن المفسرين اختلفوا في تقدير هذه الرموز، فمنهم من أطلق القول ومنهم من قيّده بحال الرائي وسنّه وما يحيط به. ولذلك فالشاب الذي يعيش بين أقران متعددين قد لا يكون معنى الصورة عنده كمعناها عند شيخ كبير.
وتتبدل الدلالة بحسب التفاصيل، فإن رأى الشاب الخمر في مجلس أصدقائه فقد يتصل ذلك بما يدور في صحبته من أحاديث وضغوط. وإن رآها في مكان غريب فقد يرمز إلى خوفه من المجهول أو من بيئة جديدة كالجامعة أو العمل أو السفر. وإن رأى نفسه مُكرهًا أو متحرجًا فقد يشير ذلك إلى صعوبة قول لا أمام من يلحّ عليه. أما إن رآها في بيته فقد يتصل بأمر يخصّ أسرته أو أحاديثها. ويُنظر إلى مشاعره عند الاستيقاظ لأنها من أصدق القرائن.
وللشاب الأعزب قد تُقرأ الصورة في سياق ما يعرض له من علاقات أو إغراءات، فيتأمل ما يقوده إليه كل طريق دون خوف مرضي. وللشاب المقبل على عمل جديد قد تتصل الرؤيا بالتدقيق في طبيعة المكسب ونظافته. وللشاب الذي يمر بضغوط نفسية قد تكون الصورة تعبيرًا عن رغبته في الهروب من التعب. وليس في أي من ذلك ما يدين الشاب، وإنما هي مفاتيح للفهم الذاتي.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر فيما إذا كان الحلم قد جاء بعد مشاهدة محتوى أو سماع قصة أو حضور مناسبة أثارت الموضوع، فإن في ذلك أصلًا طبيعيًا للحلم. وينظر كذلك في ما حدث بعد المشهد: انصراف أم استمرار، وفي لون الشراب وكثرته. فإن كان مشهدًا عابرًا بلا تفاصيل فهو أقرب إلى حديث النفس. وإن تكرر وصحبه ضيق فقد يكون إشارة إلى حاجة الشاب إلى الحديث مع من يثق به. وتبقى هذه التقريبات ظنية.
وعمليًا فخير ما يفعله الشاب بعد هذا المنام أن يتأنى في اختيار رفقته، وأن يزن مجالسه بميزان يعرف أثرها في قلبه وسلوكه، وأن يملأ وقته بما ينفعه من علم ورياضة وعمل وطاعة. وليكثر من الدعاء بالثبات والتوفيق دون أن يشعر بالذنب بلا سبب. وإن كان في واقعه يتعرض لضغط لتجربة المسكرات أو يجد نفسه منجذبًا إليها فليتحدث بصراحة إلى والد أو أخ أكبر أو صديق أمين أو مختص، فهذا من أنفع ما يفعله الشباب. وليتذكر أن الاستعانة بالآخرين دليل وعي وليس ضعفًا.
ومما يحسن أن يعيه الشاب أن الأحلام في هذه المرحلة تتأثر كثيرًا بما يتعرض له من وسائل التواصل والأفلام والألعاب والأحاديث بين الأقران، فتظهر في المنام صور مأخوذة من هذا العالم الصاخب. وقد يرى الشاب في منامه ما لا يتصل بحياته الحقيقية أبدًا لأن العقل يستعير صورًا من كل مكان. فلا ينبغي أن يحمل الحلم أكثر مما يحتمل، ولا أن يرى فيه حكمًا على شخصيته ومستقبله. ومن الحكمة أن يُقلل من تعرضه لما يثير في نفسه التوتر قبل نومه.
وقد ينفع الشاب أن يعتاد وقتًا للهدوء والتأمل بعد صلاته، وأن يخصص لنفسه قدرًا من الرياضة والقراءة والعمل التطوعي، فهي أمور تملأ النفس بما ينفعها وتخفف من عوامل التشتت. وإن وجد صعوبة في الاستقامة على ما يريد فلا ييأس، فالطريق تدريجي والخطأ في بدايته لا يعني الفشل. وليكن له قدوة صالحة من أهله أو معلميه يرجع إليها إذا اشتد عليه الأمر. وكل ذلك من باب الرفق بالنفس والتدرج في الصلاح لا من باب الضغط عليها.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا ينبغي أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في الحياة، وقد يصيب المفسر وقد يخطئ. وليتجه الشاب إلى الدعاء ويحسن الظن بربه، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليمضِ في طريقه بثقة وسكينة، وليجعل من حلمه تذكيرًا بأن يختار لنفسه الخير في كل مرحلة.
