الآداب والأخلاق والرقائق · فضائل الأعمال

هل تنال المطلقة أجر الأرملة التي تربي أبناءها ؟

سؤال وجواب رقم ١٬٤٩٥

السؤال

سيدة بعد عدة سنوات من الزواج ابتلي زوجها بمرض عقلي الفصام أو ضلالات الاعتقاد ، وحاولت جاهدة علاجه إلا أنه كان يرفض العلاج باستماتة ، وغير مقتنع تماما بمرضه ، ولا يشعر به وهذا عرض ملازم للمرض ، وفشلت كل محاولاتها لرفض أهله إجباره على العلاج ، ولم تعد الحياة معه آمنة ، بل هدد حياتها بالخطر ، ثم طلقها ، وكان لديها طفلان صغيران ، فقامت بتربيتهما ، وحرصت على أن يصلا رحمهما ووالدهما وأسرته ، ولم تتزوج .

السؤال : هل تنال بإذن الله نفس أجر المرأة الأرملة التي تبادر الرسول صلي الله عليه وسلم عند باب الجنة ؛ لأنها قعدت على أيتام لها ، فقد تربى أبناها كالأيتام من فقد الأب ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

كثير من الناس يتكلف البحث عن الفضل الخاص وينسى الفضل العام الذي أكرم الله به جميع المؤمنين ، فقد وعد الله عز وجل جميع المسلمين بالأجر العظيم إن صبروا على الضراء ، ورضوا بما أصابهم من صروف الدنيا ونوائبها ، فقال سبحانه : ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) هود/11، وقال عز وجل : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا . مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ) الإنسان/9-13.

فمن غير الحكمة أن نضيع هذه الأجور العامة العظيمة ، بحثا عن أجر خاص ورد في حديث معين ، قد لا يكون ثابتا ، وإن ثبت فقد يكون خاصا بالأرملة ولا تقاس عليه المطلقة .

ولهذا فوصيتنا لك أن تحتسبي أمرك عند الله ، وتشتغلي بتربية أبنائك وتنشئتهم النشأة الحسنة ، ولك من الله سبحانه على كل ساعة تقضينها في سبيل ذلك الثواب الجزيل ، زيادة على ما سبق لك من الصبر وتحمل البلاء الذي ابتلي به زوجك السابق .

ثانيا :

أما الأحاديث الواردة في فضل الأرملة التي تعزف عن الزواج للتفرغ لأيتامها فهي ضعيفة ولا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن نرجو لمن قعدت على أبنائها تنبتهم النبات الحسن أن ينالها الثواب الوارد إن كان صحيحا في نفس الأمر .

الحديث الأول :

عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى - امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى أَيْتَامِهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا ) .

سفعاء الخدين : هي التي تغير لونها إلى الكمودة والسواد من طول الإيمة وترك الزينة .

رواه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم/141) وأحمد في " المسند " (39/432)، وأبو داود في " السنن " (5149)، وابن أبي الدنيا في " النفقة على العيال " (1/232)، والطبراني في " المعجم الكبير " (18/56) من طرق عن النهاس بن قهم ، قال حدثني شداد أبو عمار ، عن عوف بن مالك به .

قلنا : وهذا إسناد ضعيف بسبب النهاس بن قَهم ، فقد كان يحيى القطان يضعف حديثه ، وقال ابن معين : ليس هو بشيء ، وكذا قال أبو حاتم ، وضعفه أبو داود والنسائي ، وقال ابن عدي : وأحاديثه مما ينفرد به عن الثقات لا يتابع عليه ، وقال ابن حبان : كان يروي المناكير عن المشاهير ، ويخالف الثقات ، لا يجوز الاحتجاج به ، وقال الدارقطني : مضطرب الحديث . انظر ترجمته في " تهذيب التهذيب " (10/426) .

وفيه علة أخرى أيضا هي الانقطاع بين شداد أبي عمار وعوف بن مالك ، فقد قال صالح جزرة إنه لم يسمع منه . انظر : " تهذيب التهذيب " (4/317) .

لذلك ضعف هذا الحديث الشيخ الألباني رحمه الله في " ضعيف أبي داود " ، وفي " السلسلة الضعيفة " (رقم/1122) وغيرها .

الحديث الثاني :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( أنا أول من يفتح باب الجنة ، إلا أني أرى امرأة تبادرني ، فأقول لها : ما لك ومن أنت ؟!

فتقول : أنا امرأة قعدت على أيتام لي ) .

رواه أبو يعلى في " المسند " (12/7)، والخطيب البغدادي في " المتفق والمفترق " (2/1091)، والديلمي في " الفردوس " (1/34) من طريق عبد السلام بن عجلان الهجيمي ، حدثنا أبو عثمان النهدي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه به .

وهذا إسناد ضعيف أيضا بسبب عبد السلام بن عجلان ، فقد قال فيه أبو حاتم : " شيخ بصري يكتب حديثه " انتهى من " الجرح والتعديل " (6/46)، وقال ابن حبان : " يخطئ ويخالف " انتهى من " الثقات " (7/127) .

فمثله ، ما دام لم يوثق ، لا يقبل تفرده بحديث ؛ بل نص النقاد على أنه يخطئ ويخالف ، لذلك ضعفه البوصيري في " إتحاف الخيرة " (5/488)، والألباني في " ضعيف الترغيب والترهيب " (2/81) وفي " السلسلة الضعيفة " (5374) .

ورواه الخرائطي في " مكارم الأخلاق " (ص/212) قال : حدثنا نصر بن داود الخلنجي، حدثنا سهل بن بكار ، حدثنا عبد السلام أبو الخليل ، عن أبي يزيد المدني ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ آدَمَيٍّ الْجَنَّةَ يَدْخُلُهَا قَبْلِي ، غَيْرَ أَنِّي أَنْظُرُ عَنْ يَمِينِي ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَأَقُولُ : مَا لِهَذِهِ تُبَادِرُنِي ؟ فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، هَذِهِ امْرَأَةٌ كَانَتْ حَسْنَاءَ جَمْلَاءَ ، وَكَانَ عَلَيْهَا يَتَامَى لَهَا ، فَصَبَرْتَ عَلَيْهِنَّ حَتَّى بَلَغَ أَمَرُهُنَّ الَّذِي بَلَغَ ؛ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهَا ذَاكَ ) .

وقد قال الشيخ الألباني رحمه الله عن إسناد الخرائطي هذا إنه إسناد أبي يعلى نفسه ، وأن الخطأ وقع من عبد السلام فقال : " عن أبي يزيد المدني " بدلا من " أبي عثمان النهدي "، فقال : " لعله من سوء حفظ عبد السلام نفسه " انتهى من " السلسلة الضعيفة " (11/625).

وقال الحافظ العراقي عن رواية الخرائطي هذه :

" سنده ضعيف " انتهى بتصرف من " تخريج الإحياء " (1/500) .

الحديث الثالث :

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( ثلاثة في ظل العرش يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله : واصل الرحم ، يزيد الله في رزقه ويمد في أجله ، وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتاما صغارا ، فقالت : لا أتزوج ، أقيم على أيتامي حتى يموتوا أو يغنيهم الله ، وعبد صنع طعاما فأضاف ضيفه وأحسن نفقته ، فدعا عليه اليتيم والمسكين ، فأطعمهم لوجه الله تعالى ) .

رواه الديلمي في " الفردوس " (2/99) ، وعزاه في " الجامع الصغير " لأبي الشيخ في " الثواب "، والأصبهاني في " الترغيب "، ولم نقف على إسناده فيهما .

ولكن قال الشيخ الألباني رحمه الله :

" ضعيف جدا " انتهى من " ضعيف الجامع " (رقم/2580)، وكذا في " السلسلة الضعيفة " (رقم/3437) بسبب يزيد الرقاشي .

والحاصل : أن الحديث ضعيف لا يصح ، لكن ضعفه يسير، ليس بالشديد ولا بالمنكر ، بل إن بعض المحدثين حسن إسناده ، كما فعل المنذري في " الترغيب والترهيب " (3/236).

ومعنى ذلك أنه لا حرج على الأرملة التي قعدت على أيتامها أن تحتسب هذا الأجر الوارد في الحديث ، لعل الله عز وجل يكتبه لها ، ولكن من غير اعتقاد نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

أما المطلَّقة فلم يرد فيها هذا الفضل ، فالأولى السكوت عن ذلك ، واحتساب أجر الصبر الذي وعد الله به جميع الصابرين ، وأجر تربية الأبناء الذي يكتبه الله عز وجل للمربين الصالحين .

والله أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب فضائل الأعمال ‹