الآداب والأخلاق والرقائق · حكم الحج والعمرة

هل صح في السنة النبوية أن من ترك الحج دون عذر مات يهودياً أو نصرانياً ؟.

سؤال وجواب رقم ١٦٬٩٠٨

السؤال

ما صحة الحديثين التاليين :

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ) الدارمي ، والبيهقي.

- وقال صلى الله عليه وسلم : ( من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً ) الترمذي ، والبزار؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

روى الدارمي (1826) ، والبيهقي في "الشعب" (3693) ، وأبو نعيم في " الحلية " (9/251) ، وابن الجوزي في " التحقيق" (2/118) من طريق شَرِيكٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا) .

وهذا إسناد ضعيف ، ليث ، هو ابن أبي سليم ، وهو ضعيف ، ضعفه أحمد ، وابن معين ، والنسائي ، وغيرهم . انظر "الميزان" (3/420) .

وشريك ، هو ابن عبد الله القاضي ، وهو ضعيف أيضا ، سيء الحفظ ، ضعفه القطان ، وابن المبارك ، وابن معين ، والجوزجاني ، وغيرهم .

انظر "الميزان" (2/270) .

وقد خالفه أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ ، فرواه عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكره مرسلا ، رواه ابن أبي شيبة (3/ 305) .

وكذا رواه الثوري عن ليث ، أخرجه الخلال في "السنة" (5/46) .

وهذا أصح ، لكنه ضعيف أيضا ؛ لضعف ليث ، ولإرساله .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" لَيْثٌ ضَعِيفٌ ، وَشَرِيكٌ سيء الْحِفْظِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَأَرْسَلَهُ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ ... ) فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ لَيْثٍ مُرْسَلًا " .

انتهى من "التلخيص الحبير" (2/ 486) .

وله طريق أخرى عن شريك ، قال ابن الجوزي في "التحقيق" (2/ 118):

" رَوَاهُ عَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: عَمَّارٌ يُحَدِّثُ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْمَنَاكِيرِ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ " انتهى .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" أَوْرَدَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ شَرِيكٍ ، مُخَالِفَة لِلْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَرَاوِيهَا عَنْ شَرِيكٍ عَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ ضَعِيفٌ " انتهى من "التلخيص الحبير" (2/ 486) .

وقال ابن القيسراني :

" رَوَاهُ عمار بن مطر الرهاوي عَن شريك ، عَن مَنْصُور، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد ، عَن أبي أُمَامَة ، وَهَذَا غير مَحْفُوظ ، والآفة فِيهِ من عمار الرهاوي هَذَا " .

انتهى من "ذخيرة الحفاظ" (4/ 2407) .

وعمار هذا قال أبو حاتم الرازي: كان يكذب ، وقال ابن عدى: أحاديثه بواطيل .

"ميزان الاعتدال" (3 /170)

وقال ابن القيسراني :

" ورواه نصر بن مُزَاحم الْكُوفِي عَن الثَّوْريّ، عَن لَيْث، عَن ابْن سابط، عَن أبي أُمَامَة. وَهَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظ، والآفة فِيهِ من نصر هَذَا " انتهى من "ذخيرة الحفاظ" (4/ 2407) .

ونصر بن مزاحم : قال الذهبي في "الميزان" (4/253): " رافضي جلد ، تركوه ".

ورواه أبو الحسن النعالي في "جزئه" (71) من طريق مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ الأشناني ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أنا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، به مرفوعا .

والأشناني هذا: قال الدارقطني: كان دجالا ، وقال الخطيب: كان يضع الحديث.

"لسان الميزان" (5 /228) .

والنعالي صاحب الجزء: قال الخطيب : كان رافضيا ، يتتبع الغرائب والمناكير .

"تاريخ بغداد" (5 /383) .

ثانيا :

روى الترمذي (812)، والطبري في "تفسيره" (6/41)، والبزار (861)،والبيهقي في "الشعب" (3692) ، وابن الجوزي في "الموضوعات" (2/209) من طريق هِلَال بْن عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ البَاهِلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنْ الحَارِثِ،عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ ؛ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) آل عمران/ 97.

قال الترمذي عقبه : " هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ ، وَالحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ " انتهى .

وهلال هذا قال البخاري : منكر الحديث ، وقال الترمذي: مجهول ، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث ، وليس هو بمحفوظ ، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم.

"تهذيب التهذيب" (11/ 82) .

والحارث : هو الحارث بن عبد الله الأعور ، مشهور بالضعف ، وقد كذبه الشعبي ، وابن المديني ، انظر : "التهذيب" (2/145) .

وللحديث طرق أخرى كلها لا تخلو من ضعف .

وقد ضعف هذا الحديث غير واحد من أهل العلم ، فضعفه الطبري في "تفسيره" (6/45) ، وابن الجوزي في "الموضوعات" (2/210) ، والمنذري في "الترغيب والترهيب" (2/137)، وابن عبد الهادي في "التنقيح" (3/404)، والهيتمي في "الزواجر" (1/330)، وحكى عن النووي تضعيفه ، وكذا ضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي" .

ولكنه صح من قول عمر رضي الله عنه ، قال ابن كثير رحمه الله :

" رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْم أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: " مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ يَهُودِيًّا مَاتَ أَوْ نَصْرَانِيًّا "وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " انتهى من "تفسير ابن كثير" (2/ 85) .

وانظر للاستزادة جواب السؤال رقم : (210701) .

وبالجملة : فالحديثان لا يصحان .

والله تعالى أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب حكم الحج والعمرة ‹