الآداب والأخلاق والرقائق · الدعاء

تدعو عليه بزيادة الضلال

سؤال وجواب رقم ١٬٩٠٥

السؤال

هناك إنسان آذاني كثيرا في حياتي ، وأخذ أموالي...بفضل من الله ابتعدت عنه ، لكني دائما أدعو عليه ، وأحتسب ذلك عند الله .

سؤالي هو أني لا أرجو له التوبة ، وأدعو الله أن يزيده ضلالا...فهل هذا حرام ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

للمظلوم عند الله تعالى شأن عظيم ؛ لأن الله عز وجل يكره من الإنسان الكبرياء والتجبر والطغيان ، ويحب منه التذلل إليه وإلى عباده ، فهو سبحانه مع المستضعفين ومع المقهورين ، وسينتصر للمظلومين من الظالمين .

ولذلك فقد رخص سبحانه للمظلوم أن يدعو على ظالمه ، لينتصف منه في الدنيا قبل الآخرة ، فيُشفِي شيئا من غيظه ، ويستعجل بعضًا من حقه .

قال الله تعالى : ( لَاْ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيْعًا عَلِيْمًا ) النساء/148 .

قال ابن كثير في "التفسير" (1/572) :

" قال ابن عباسٍ في الآية : يقول : لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحدٍ ، إلا أن يكون مظلومًا ، فإنّه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ، وذلك قوله : ( إِلّا مَنْ ظُلِمَ ) ، وإن صبر فهو خيرٌ له " انتهى .

وفي موقعنا مجموعة من الأدلة على هذه المسألة ، يمكن مراجعتها في جواب السؤال رقم : (71152)

ثانيا :

وفي السنة بيان للصيغة التي يفضل أن يدعو بها على الظالم :

فعن جابرٍ رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

( الَّلهُمّ أَصْلِحْ لِيْ سَمْعِي وَبَصَرِيْ ، وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَيْنِ مِنّي ، وَانصُرنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي ، وَأَرِنِي مِنْهُ ثَأْرِي ) .

رواه البخاري في الأدب المفرد (1/226) ، وحسنه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (3/87) ، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قلّما كان يقوم من مجلسٍ حتّى يدْعو بهؤلاء الدّعوات لأصحابه : ( الّلهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ . . . واجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَىْ مَنْ ظَلَمَنَا وَانصُرْنَا عَلَىْ مَنْ عَادَانَا . .)

رواه الترمذي (3502) وقال : حسن غريب ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي .

ثالثا :

أما الدعاء على الظالم بالضلال وعدم الهداية ، فهذا لا يجوز ، ولا ينبغي أن يصدر هذا الدعاء من المسلم مهما كان الظلم الذي تعرض له ، وذلك لأوجه عدة :

1- في الدعاء بزيادة الضلال والغواية طلب لاستمرار الكفر أو الظلم أو المعصية ، والواجب على المسلم كره المعصية والسعي في تطهير الأرض منها ، وليس في زيادتها واستمرارها .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ ) إلى آخر الحديث . رواه مسلم (2735)

2- وهو من الاعتداء في الدعاء الذي جاء ذمه في الكتاب والسنة الصحيحة .

يقول الله تعالى : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) الأعراف/55

قال بعضُ السلف في معنى " المعتدين " :

" هم الذي يدعون على المؤمنين فيما لا يحلُّ ، فيقولون : اللَّهمَّ اخزِهم ، اللَّهمَّ الْعَنْهم " انتهى . "تفسير البغوي" (3/237)

وقال سعيد بن جبير : " لا تدعوا على المؤمن والمؤمنة بالشَّرِّ : اللَّهمَّ اخْزِه والْعَنه ونحو ذلك ، فإنَّ ذلك عدوان " انتهى . "الدر المنثور" (3/475).

وقال الحسن البصري :

( قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ، من غير أن يعتدي عليه ) انتهى . "تفسير ابن كثير" (1/572) .

يقول ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (15/22) :

" وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء : تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات ، وتارة يسأل ما لا يفعله الله ، مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة ... ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله " انتهى .

وانظري جواب السؤال رقم (41017)

3- وفي هذا الدعاء تحجير لرحمة الله ، وتضييق لسعة عفوه ومغفرته ، فهو سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء ، وقد زجر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأعرابي الذي دعا بما يشبهه ، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : ( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا ، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا ، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ : لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا . - يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ - ) رواه البخاري (6010)

4- وقد نهى الله تعالى نبيه عن نحو هذه الأدعية التي تتعلق بغواية الكفار وزيادة ضلالهم وعذابهم :

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا ، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ .

فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ ) إِلَى قَوْلِهِ ( فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) رواه البخاري (4069)

فالحاصل من هذه الأدلة أن الدعاء على الظالم بما فيه زيادته في الغي والضلال والمعصية لا يجوز ، والأصل هو الدعاء بالهداية لجميع الناس ، أو ترك أمرهم وشأنهم إلى الله عز وجل .

قال النووي في "الأذكار" (ص/359) :

" لو دعا مسلمٌ على مسلمٍ فقال : اللهم اسلبه الإيمان ؛ عصى بذلك . وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء ؟ فيه وجهان لأصحابنا ، حكاهما القاضي حسين من أئمة أصحابنا في الفتوى ، أصحهما : لا يكفر . وقد يحتج لهذا بقول الله تعالى إخباراً عن موسى عليه السلام : ( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا ) الآية . وفي هذا الاستدلال نظر وإن قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا ” انتهى .

ويقول الإمام القرافي :

" الدعاء على الظالم له أحوال :

إما بعزله لزوال ظلمه فقط ، وهذا حسن .

وثانيها : بذهاب أولاده وهلاك أهله ونحوهم ممن له تعلق به ، ولم يحصل منه جناية عليه ، وهذا ينهى عنه لأذيته من لم يمُنَّ عليه .

وثالثها : الدعاء بالوقوع في معصيةٍ : كابتلائه بالشرب أو الغيبة أو القذف ، فينهى عنه أيضًا ؛ لأن إرادة المعصية للغير معصية .

ورابعها : الدعاء عليه بحصول مؤلماتٍ في جسمه أعظم مما يستحقه في عقوبته ، فهذا لا يتجه أيضًا ، لقوله تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) البقرة/194 " انتهى نقلا عن "الفواكه الدواني" (1/470) .

ثالثا :

قد يشتبه على بعض الناس دليلان ، في ظاهرهما الدلالة على جواز الدعاء على الظالم بالإثم والمعصية .

أحدهما : من القرآن الكريم ، وذلك في حكاية الله عز وجل عن موسى عليه السلام دعاءه على فرعون وقومه وفيه : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) يونس/88

فالجواب عن هذا بأن يقال إن دعاء موسى جاء بعد علمه بوحي من الله تعالى أن قوم فرعون لا يؤمنون ، ولو جاءتهم كل آية ومعجزة ، وليس فيه الدعاء مطلقا على كل كافر أو ظالم بطمس القلب واليأس من الإيمان والتوبة .

يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/290) :

" ( وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) قال ابن عباس : أي اطبع عليها ، ( فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ ) وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضبًا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنه لا خير فيهم ، ولا يجيء منهم شيء ، كما دعا نوح عليه السلام فقال : ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا ) " انتهى .

ويقول القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (8/375) :

" وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال : كيف دعا عليهم ، وحُكْم الرسل استدعاء إيمان قومهم ؟

فالجواب : أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله ، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن ، دليله قوله لنوح عليه السلام : ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) وعند ذلك قال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) " انتهى .

ويقول الشيخ أحمد النفراوي في "الفواكه الدواني" (1/470) :

" اختلف في جواز الدعاء على المسلم العاصي بسوء الخاتمة .

قال ابن ناجي : أفتى بعض شيوخنا بالجواز ، محتجا بدعاء موسى على فرعون بقوله تعالى حكايةً عنه : ( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) يونس/88

والصواب عندي أنه لا يجوز ، وليس في الآية ما يدل على الجواز ؛ لأنه فرق بين الكافر المأيوس من إيمانه كفرعون ، وبين المؤمن العاصي المقطوع له بالجنة إما ابتداءً أو بعد عذابٍ " انتهى .

الثاني : حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه ، في قصة شكاية أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر ، وقيام ذلك الرجل في المسجد واتهامه لسعد بتهم عدة قال :

( قَالَ سَعْدٌ : أَمَا وَاللَّهِ لأدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ .

وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ : شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ .

قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَرِ ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ )

رواه البخاري (755)

فظن بعض الناس أن سعدا دعا عليه بالمعصية والإثم ، ولكن الصواب أنه دعا عليه بتعرضه للفتن والبلايا والمحن في الدين والدنيا – كما قال : " وعرضه بالفتن " - والفتنة لا تعني المعصية ، ولكنها تعني الشدة التي قد توقع في المعصية إن لم يصبر عليها ، وهذا ما حصل.

يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/241) :

" وفيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه ، وليس هو من طلب وقوع المعصية ، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته " انتهى .

ثالثاً :

خيرٌ من ذلك كله : العفو ، وترك أمر الظالم له سبحانه وتعالى يوم القيامة ، وذلك أنّ من عفا عن حقّه في الدنيا ، أخذه وافرًا في الآخرة ، وأراح قلبه من شوائب الحقد والغيظ .

قال صلى الله عليه وسلم : ( يَا عُقبَةَ بنَ عَامِر : صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَاعْفُ عَمَّن ظَلَمَكَ ) رواه أحمد (4/158) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(891) .

وفي الختام : نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقك الزوج الصالح ، ويسعدك بالأسرة الطيبة ، ويفتح عليك من بركاته ، ويرزقك خيري الدنيا والآخرة .

وانظري جواب السؤال رقم (71152)

والله أعلم .

الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·الدعاء

سؤال رقم ١٬٩٠٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الدعاء ‹