الآداب والأخلاق والرقائق · فضائل الأعمال

متى يجوز للإنسان مدح نفسه ؟

سؤال وجواب رقم ٩٬٢٥٢

السؤال

ما حُكم مدح النَفس في الإسلام ؟

يعني هل إذا سُئل الإنسان عن نفسه مَثلاً ما أفضل صفاتك ، وأجاب : لا أتكبر ، وأحب للغير ما أحبه لنفسي ، وهكذا ، هل هذا يدخل في باب مدح النفس ؟

وما تفسير هذه الآية ضمن موضوع مدح النفس : ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) النجم/ 32 ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

قال الله عز وجل : (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) النجم/ 32 .

وفي هذا نهي عن تزكية النفس وإطرائها والإخبار عنها بطهارتها وبعدها عن الذنوب والآثام لغير حاجة إلى ذلك ، إلا مجرد حب المدح والثناء .

قال الطبري رحمه الله :

" يقول جل ثناؤه : لا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي" .

انتهى من "تفسير الطبري" (22/540) .

وقال الشوكاني رحمه الله :

" أَيْ : لَا تَمْدَحُوهَا وَلَا تُبَرِّئُوهَا عَنِ الْآثَامِ وَلَا تُثْنُوا عَلَيْهَا ، فَإِنَّ تَرْكَ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ أَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ " انتهى من " فتح القدير" (5/ 136) .

وقال ابن عقيل رحمه الله :

" نَهَى عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْمَدْحِ وَالْإِطْرَاءِ الْمُورِثِ عُجْبًا وَتِيهًا وَمَرَحًا " .

انتهى من " الآداب الشرعية " (3/ 464) .

ثانياً :

الأصل في ذكر محاسن النفس ، ومدحها بذلك : المنع ، وأقل أحواله الكراهة ، لكن في موضع الحاجة والمصلحة الشرعية : يرخص في مثل ذلك ، بقدر ما تقتضيه الحاجة .

قال النووي رحمه الله : " اعلم أن ذكرَ محاسن نفسه ضربان: مذموم ; ومحبوب .

فالمذمومُ : أن يذكرَه للافتخار ، وإظهار الارتفاع ، والتميّز على الأقران ، وشبه ذلك.

والمحبوبُ : أن يكونَ فيه مصلحة دينية ، وذلك بأن يكون آمراً بمعروف ، أو ناهياً عن منكر ، أو ناصحاً أو مشيراً بمصلحة ، أو معلماً ، أو مؤدباً ، أو واعظاً ، أو مذكِّراً ، أو مُصلحاً بين اثنين ، أو يَدفعُ عن نفسه شرّا ، أو نحو ذلك ، فيذكر محاسنَه ، ناوياً بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله واعتماد ما يذكُره ، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به ، أو نحو ذلك .

وقد جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص ، كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( أنا النَّبِي لا كَذِبْ ) ، ( أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم ) ، ( أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ ) ، ( أنا أعْلَمُكُمْ باللَّهِ وأتْقاكُمْ ) ، ( إني أبِيتُ عنْدَ ربي ) ، وأشباهه كثيرة .

وقال يوسف صلى الله عليه وسلم: (اجْعَلْني على خَزَائِنِ الأرْضِ إني حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ، وقال شعيب صلى الله عليه وسلم: (سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) .

وقال عثمان رضي الله عنه حين حُصر ما رويناه في صحيح البخاري أنه قال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ جَهّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ ) فجهّزتهم ؟

ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ حَفَرَ بِئرَ رُومَة فَلَهُ الجَنَّةُ ) فحفرتها ؟

فصدّقوه بما قال .

وروينا في صحيحيهما عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: لا يُحسن يصلي!.

فقال سعد: والله إنّي لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله تعالى .

وروينا في صحيح مسلم عن عليّ رضي الله عنه قال: والذي فلق الحبَّة وبرأَ النسمةَ ، إنه لعهدُ النبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ : أنه لا يحبني إلا مؤمنٌ ، ولا يبغضني إلا منافق .

ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر ، وكلُّها محمولة على ما ذكرنا " .

انتهى مختصرا من " الأذكار" (ص: 278-279) .

وقال ابن مفلح رحمه الله :

" قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ مَدَحَ نَفْسَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَمِنْ شَأْنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ التَّوَاضُعُ ؟

فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ لَمَّا خَلَا مَدْحُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ بَغْيٍ وَتَكَبُّرٍ ، وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ الْوُصُولَ إلَى حَقٍّ يُقِيمُهُ ، وَعَدْلٍ يُحْيِيه ، وَجَوْرٍ يُبْطِلُهُ : كَانَ ذَلِكَ جَمِيلًا جَائِزًا.

وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَاَللَّهِ مَا آيَةٌ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَأَتَيْتُهُ .

فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الشُّكْرِ لِلَّهِ وَتَعْرِيفِ الْمُسْتَفِيدِ مَا عِنْدَ الْمُفِيدِ .

انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ .

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إلَيْهِ .

وَفِي تَرْجَمَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " سَلُونِي فَوَاَللَّهِ لَئِنْ فَقَدْتُمُونِي لَتَفْقِدُنَّ رَجُلًا عَظِيمًا .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَبَكَتْ ابْنَتُهُ : يَا بُنَيَّةُ لَا تَبْكِي ، أَتَخَافِينَ أَنْ يُعَذِّبَنِي اللَّهُ وَقَدْ خَتَمْت فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ خَتْمَةٍ ؟

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ أيضاً : نَظَرْت إلَى أَقْرَأِ النَّاسِ فَلَزِمْته عَاصِمًا ، ثُمَّ نَظَرْت إلَى أَفْقَهِ النَّاسِ فَلَزِمْته مُغِيرَةً ، فَأَيْنَ تَجِدُ مِثْلِي ؟ " .

انتهى مختصرا من "الآداب الشرعية" (3/ 464-465) .

وعلى ذلك :

فالأصل في مثل هذا السؤال ألا يجاب ، بل ألا يسأل أيضاً ، ومن سُئل عن مثله ، رد العلم بتقوى القلوب ، إلى علام الغيوب .

لكن إن كانت هناك مصلحة شرعية راجحة ، دعت إلى ذلك ، مع أمن الفتنة له ولغيره بمثل ذلك المديح : جاز له منه ، بقدر ما تحصل به الحاجة .

جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (36/380) :

" ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَمْدَحَ نَفْسَهُ وَأَنْ يُزْكِيَهَا .

قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ : وَمَدْحُكَ نَفْسَكَ أَقْبَحُ مِنْ مَدْحِكَ غَيْرِكَ ، فَإِنَّ غَلَطَ الإِنْسَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَكْثَرُ مِنْ غَلَطِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ حُبَّكَ الشَّيْءَ يَعْمِي وَيَصُمُّ ، وَلا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَى الإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلِذَلِكَ يَرَى عُيُوبَ غَيْرِهِ وَلا يَرَى عُيُوبَ نَفْسِهِ ، وَيَعْذِرُ بِهِ نَفْسَهُ بِمَا لا يَعْذِرُ بِهِ غَيْرَهُ .

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) ، وَقَالَ: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ) .

وَلا يَمْدَحُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ إِلا إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ خَاطِبًا إِلَى قَوْمٍ فَيُرَغِّبَهُمْ فِي نِكَاحِهِ ، أَوْ لِيُعَرِّفَ أَهْلِيَّتَهُ لِلْوِلايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ ، لِيَقُومَ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً كَقَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) .

وَقَدْ يَمْدَحُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيمَا مَدَحَ نَفْسَهُ بِهِ ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالأَقْوِيَاءِ الَّذِينَ يَأْمَنُونَ التَّسْمِيعَ وَيُقْتَدَى بأمثالهم" انتهى .

وينظر للاستزادة جواب السؤال رقم : (148158) .

والله تعالى أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب فضائل الأعمال ‹