التاريخ والسيرة · السيرة النبوية
ما هي مراحل الدعوة النبوية؟
السؤال
أعلم أن محمد صلى الله عليه وسلم بعث بالحق إلى جميع الإنس والجن منذ بدء شمول الرسالة المحمدية إلى يوم القيامة، ولكن لدي سؤال متى بدأ شمول الرسالة المحمدية هل بدأ مع بدء الرسالة أم بعد مدة؟ وإن كان لم يبدأ مع بدء الرسالة فإلى من أرسل محمد حين بدأت الرسالة؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
يجب الإيمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا سبأ/28، وقال: قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الأعراف/158.
وقال صلى الله عليه وسلم : قَالَ أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً رواه البخاري (335)، ومسلم (521).
وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة السرية ثلاث سنين، ثم أمر بالجهر والصدع، فبدأ بعشيرته الأقربين، ثم بدعوة الناس عامة.
روى البخاري (4770)، ومسلم (208) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214]، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: (يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ) - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [المسد: 2]
وروى البخاري (4771)، ومسلم (348) عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
وروى مسلم (204) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214]، دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا.
قال في "البحر المحيط الثجاج" (5/ 418): "(فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ) أي عمّهم بالإنذار، يقال: عمّهم بكذا: أي شَمِلَهم (وَخَصَّ) أي خَصّ من كان أهلًا لذلك بالخطاب والنداء.
والمعنى: أنه - صلى الله عليه وسلم - عمّ قريشًا بالدعوة وشملها، فقال: يا معشر قريش، وخصّ بعض بُطونها، فقال: يا بني كعب ... إلخ، فالفاء في قوله: "فعمّ" للتفصيل، مثلها قوله: "توضّأ، فغسل وجهه ... إلخ".
وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: "فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عديّ، لبطون قريش" انتهى.
وقال الحافظ في "الفتح" (8/ 503): "والسرّ في الأمر بإنذار الأقربين أوّلًا: أن الحجة إذا قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علّة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب، من العطف، والرأفة، فَيُحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نصّ له على إنذارهم" انتهى.
وفي بيان مراحل الدعوة، قال ابن هشام في "السيرة النبوية" (1/ 262):
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْسَالًا مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى فَشَا ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، وَتُحَدِّثَ بِهِ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، وَأَنْ يُبَادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِهِ إلَى أَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِ دِينِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ- فِيمَا بَلَغَنِي- مِنْ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)، وَقَالَ تَعَالَى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله:
" فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بُعث إلى حين لقي الله عز وجل:
أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ.
ثم أنزل عليه: ياأيها المدثر - قم فأنذر [المدثر: 1، 2] فنبّأه بقوله (اقرأ)، وأرسله بـ: ياأيها المدثر [المدثر: 1].
ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين.
ثم أنذر قومه.
ثم أنذر من حولهم من العرب.
ثم أنذر العرب قاطبة.
ثم أنذر العالمين.
فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة، بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح.
ثم أَذن له في الهجرة، وأَذن له في القتال.
ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله" انتهى من "زاد المعاد" (3/ 143).
فهذه مراحل الدعوة النبوية، الدعوة سرا، ثم الجهر بدعوة الأقربين، ثم دعوة سائر الناس.
والله أعلم.
الباب: التاريخ والسيرة·السيرة النبوية
سؤال رقم ٢٥٬٣٦٠دليل الألوان
أسئلة ذات صلة في السيرة النبوية
- لماذا كان النبي ﷺ يرعى الغنم قبل البعثة؟ وما الحكمة من ذلك؟#31693
- من هم إخْوَة النبي صلى الله عليه وسلم؟#31477
- ما دار من الحوار بين هرقل وأبي سفيان كان قبل فتح مكة .#31428
- من القائل يوم حنين : (لن نهزم اليوم من قلة)؟#31326
- لماذا نحسب عمر الإسلام من ابتداء الهجرة وليس من ابتداء الوحي والدعوة ؟#31170
- صفة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه#30840
