التاريخ والسيرة · تفسير القرآن

بيان سعة الجنة بأنها : (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) .

سؤال وجواب رقم ٥٬٨٠٤

السؤال

وصف الله الجنة أن عرضها كعرض السماوات والأرض .

سؤالي هو من المعروف أن السماء أكبر بكثير جدا من الأرض ؛ فما فائدة إدخال الأرض في هذا الوصف ؟

مثلا كأن تقول : مساحة روسيا أكبر من السعودية والرياض ؛ فما فائدة إدخال الرياض في هذا الوصف ، فهو لا يفيد في شيء ، فالرياض جزء من السعودية .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال الله تعالى : ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) آل عمران/ 133.

وقال عز وجل : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) الحديد/ 21 .

قال القرطبي رحمه الله :

" اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تقرن السماوات وَالْأَرْضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَمَا تُبْسَطُ الثِّيَابُ وَيُوصَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، فَذَلِكَ عَرْضُ الْجَنَّةِ ، وَلَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَذَلِكَ لَا يُنْكَرُ .

وقَالَ قَوْمٌ : الْكَلَامُ جَارٍ عَلَى مَقْطَعِ الْعَرَبِ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجَنَّةُ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالِانْفِسَاحِ فِي غَايَةٍ قُصْوَى حَسُنَتِ الْعِبَارَةُ عنها بعرض السماوات وَالْأَرْضِ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ : هَذَا بَحْرٌ ، وَلِشَخْصٍ كَبِيرٍ مِنَ الْحَيَوَانِ : هَذَا جَبَلٌ ، وَلَمْ تَقْصِدِ الْآيَةُ تَحْدِيدَ الْعَرْضِ ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أوسع شي رَأَيْتُمُوهُ ".

انتهى من "تفسير القرطبي" (4/ 204-205) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :

" وَذِكْرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي تَمْثِيلِ شِدَّةِ الِاتِّسَاعِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ عَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَقِيلَ: هُوَ عَرْضُهَا حَقِيقَةً ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ لَكِنَّهَا أَكْبَرُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَهِيَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ " انتهى .

وقال الشوكاني رحمه الله :

" اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ : إلى أنها تقرن السماوات وَالْأَرْضَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ كَمَا تُبْسَطُ الثِّيَابُ وَيُوَصَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَذَلِكَ عَرْضُ الْجَنَّةِ ، وَنَبَّهَ بِالْعَرْضِ عَلَى الطُّولِ ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الطُّولَ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْعَرْضِ .

وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَاءَ عَلَى نَهْجِ كَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الاستعارة دون الحقيقة ، وذلك أنها لمّا كَانَتِ الْجَنَّةُ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالِانْفِسَاحِ فِي غَايَةٍ قصوى ، حسن التعبير عنها بعرض السموات وَالْأَرْضِ مُبَالَغَةً ، لِأَنَّهُمَا أَوْسَعُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيمَا يَعْلَمُهُ عِبَادُهُ ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّحْدِيدَ " .

انتهى من "فتح القدير" (1/ 437) وينظر : "التحرير والتنوير" (4/ 89) .

فقد تبين أن للعلماء قولين في تفسير الآية : قول الجمهور : أن المراد هنا العرض الحقيقي ، وفي ضمنه تنبيه على الطول ، والقول الثاني أن المراد بيان سعة الجنة ، دون خصوص ذكر الطول والعرض ، وإنما جرى التعبير على عادة العرب في مثل ذلك .

وأيا ما كان الأمر ، فلا وجه لما ذكر في السؤال من التمثيل بمساحة ... ، فهذا كله بعيد عن الوجه المذكور في الآية ، والرياض التي مثل بها : هي جزء من السعودية ، وأما السماوات والأرض فأمران مستقلان تماما .

وقد جرت عادة البيان الشرعي في مثل ذلك ، بالتعبير عن المعاني الغيبية ، بما يفهمونه الناس من لغتهم ، ويعتادونه من خطابهم ، ولا شك أن ذكر الأرض التي يعرفونها ، ويشاهدون سعتها ، وامتداد أطرافها ، أدل على المقصود ، وأقرب إلى فهم المراد من طي ذكرها بالمرة .

والواجب عليك يا عبد الله أن تعلم أن فضل ما بين كلام الله جل جلاله وكلام البشر ، كفضل ما بين الله جل جلاله ، وخلقه ؛ وقد جل كلام الله أن يوجد فيه شيء من الاختلاف ، أو العيب ، أو النقصان عن مقامات الجمال والجلال والفصاحة ، التي تليق بأشرف الكلام ؛ ومتى عجز أو قَصُرَ فهم العبد عن شيء من ذلك ، فالواجب عليه أن يتهم فهمه ، وعقله ، وعلمه ، وذوقه ، وما لم يبلغه علمه من ذلك : رده إلى عالمه ، ووكله إلى أهله وصاحبه .

راجع للفائدة إجابة السؤال رقم : (127816) .

والله أعلم .

الباب: التاريخ والسيرة·تفسير القرآن

سؤال رقم ٥٬٨٠٤

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب تفسير القرآن ‹