الحديث وعلومه · مصطلح الحديث

ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما من أنه كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا عند افتتاحها : لا يصح عنه .

سؤال وجواب رقم ١٢٬٣٧٨

السؤال

قرأت في كتاب شرح معاني الآثار للطحاوي أنّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يرفع يده في الصلاة مرة واحدة فقط في بدايتها ، وأن الرواة هم من رجال الصحيحين ، فما صحة هذا الأثر؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

روى ابن أبي شيبة في " المصنف "(2452) ، والبيهقي في "المعرفة" (2/ 428) ، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/225) من طريق أبي بَكْرِ بْن عَيَّاشٍ عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي أَوَّلِ مَا يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ " .

وهذا الأثر ظاهره الصحة ، إلا أنه معلول بعلتين :

أولا : أنه خلاف الثابت عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا ؛ فقد روى البخاري (739) عَنْ نَافِعٍ : " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ "، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وروى البخاري (735) ، ومسلم (390) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ " .

انظر جواب السؤال رقم : (21439) .

ثانيا :

أنه مما تفرد به أبو بكر بن عياش ، وهو متكلم فيه ، وكان يخطئ ويخالف ، قال الإمام أحمد : ثقة ربما غلط ، وقال عثمان الدارمي : ليس بذاك في الحديث ، وقال ابن حبان : كان يحيى القطان وعلي بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر ساء حفظه ، فكان يهم إذا روى ، وقال العجلي: كان ثقة قديما ، صاحب سنة وعبادة ، وكان يخطئ بعض الخطأ ، وقال ابن سعد : كان ثقة صدوقا عارفا بالحديث والعلم ، إلا أنه كثير الغلط.

وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم. وقال يعقوب بن شيبة: في حديثه اضطراب، وقال الساجي: صدوق يهم ، وقال أبو نعيم: لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطا منه ، وقال البزار: لم يكن بالحافظ .

"تهذيب التهذيب" (12 /32-33) .

وقد خولف أبو بكر بن عياش في هذا الحديث ، وحكم العلماء عليه بالغلط فيه ، منهم الإمام البخاري ، الذي روى له في الصحيح واحتج به .

قال البيهقي رحمه الله عقب روايته لهذا الأثر :

" وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ - يعني هذا الحديث - مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، مِمَّا لَوْ عَلِمَهُ الْمُحْتَجُّ بِهِ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى الثَّابِتِ عَنْ غَيْرِهِ .

ثم روى عن البخاري قال : " وَالَّذِي قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ، قَدْ خُولِفَ فِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ :

قَالَ وَكِيعٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ: رَأَيْتُ مُجَاهِدًا يَرْفَعُ يَدَيْهِ .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ الرَّبِيعِ: رَأَيْتُ مُجَاهِدًا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ.

وَقَالَ جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ . هَذَا أَحْفَظُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.

قَالَ: وَقَالَ صَدُقَةُ: إِنَّ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرَةِ، كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ تَغَيَّرَ بِأَخَرَةٍ، يُرِيدُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ .

قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَالَّذِي رَوَاهُ الرَّبِيعُ وَلَيْثٌ أَوْلَى، مَعَ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، وَسَالِمٍ، وَنَافِعٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، وَمُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: رَأَيْنَا ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ .

قال البيهقي : وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْقَدِيمِ كَانَ يَرْوِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُرْسَلًا. مَوْقُوفًا، ثُمَّ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ حِينَ سَاءَ حِفْظُهُ، فَرَوَى مَا قَدْ خُولِفَ فِيهِ " انتهى .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ : فَعَوَّلُوا عَلَى رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ : أَنه صلى خلف ابن عُمَرَ ، فَلَمْ يَرَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ .

وَأُجِيبُوا : بِالطَّعْنِ فِي إِسْنَادِهِ ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ رَاوِيَهُ سَاءَ حِفْظُهُ بِآخِرِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ : فَقَدْ أَثْبَتَ ذَلِكَ سَالِمٌ وَنَافِعٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ ، وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أولى من وَاحِد ، لَا سِيمَا وَهْمْ مُثْبِتُونَ وَهُوَ نَافٍ ...

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ : مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْء رفع الْيَدَيْنِ ، عَن مَالك : أَن ابن عُمَرَ كَانَ إِذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذا ركع وَإِذا رفع : رَمَاه بالحصا " انتهىمن "فتح الباري "(2/220) .

الباب: الحديث وعلومه·مصطلح الحديث

سؤال رقم ١٢٬٣٧٨

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب مصطلح الحديث ‹