الحديث وعلومه · القرآن وعلومه

مراحل جمع القرآن الكريم

سؤال وجواب رقم ٢٤٬٢٦٤

السؤال

أنا أسمع أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام يقول إن يس قلب القران ؛ كيف والقرآن لم يتم تجميعه فى عهد الرسول ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

حديث : ( يس قلب القرآن ) قد روي من عدة طرق ، كلها ضعيفة ، لا يصح منها شيء ، وبعضها أضعف من بعض .

وَنَقَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ مَجْهُولُ الْمَتْنِ وَلَا يَصِحُّ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ .

"التلخيص الحبير" (2 /245)

وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي "علله" : حَدِيث لَا يَصح .

وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "الْخُلَاصَة" : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَفِيه مَجْهُولَانِ .

"البدر المنير" (5 /194-195)

وراجع : "إرواء الغليل" (3/150-151) – "سلسلة الأحاديث الضعيفة" أرقام : (169) ، (5861) ، (5870) ، (6843)

وراجع في الموقع جواب السؤال رقم : (654) ، (75894) .

ثانيا :

أما الاستشكال الوارد في السؤال – بغض النظر عن صحة هذا الحديث من ضعفه – فيقال فيه : إن جمع القرآن يطلق ويقصد به حفظه في الصدور ؛ كما قال الله تعالى : ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) القيامة/ 17 قال ابن عباس رضي الله عنهما : " جمعه لك في صدرك " رواه البخاري (5) ومسلم (448) .

وروى البخاري (3810) ومسلم (2465) عن أنس رضي الله عنه قال : " جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ : مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ " .

فحفظه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحفظه الصحابة رضي الله عنهم ، والمؤمنون من بعدهم ، وهذا أمر لم يتوقف على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل لا يتأتى حفظ القرآن وجمعه من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا إذا كان كله محفوظا مجموعا في حياته صلى الله عليه وسلم .

- ويطلق جمع القرآن ويقصد به جمعه في المصحف ، على الترتيب المعهود ، وهذا هو الذي تأخر إلى خلافة الصديق رضي الله عنه ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

روى البخاري (4679) أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ ، وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ ... الحديث ، وفيه : قال زيد :

" فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ ، وَكَانَتْ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ " .

وهناك جمع ثالث ثم في خلافة عثمان رضي الله عنه ، وهو جمع الناس على مصحف واحد ، وحرف واحد من الأحرف التي نزل بها القرآن ، واعتماد هذا المصحف العثماني الأم .

فإنه لما تنازع الناس في القرآن واختلفوا ، فهذا يقرأ بقراءة أبي بن كعب ، وهذا يقرأ بقراءة ابن مسعود ، استشار عثمان الصحابة رضي الله عنهم في جمع الناس على مصحف واحد .

فروى ابن أبي داود في "المصاحف" (1/77) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرا في المصاحف وإحراق المصاحف ، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعا ، فقال : ما تقولون في هذه القراءة ؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول : إن قراءتي خير من قراءتك ، وهذا يكاد أن يكون كفرا ، قلنا : فما ترى ؟ قال : نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد ، فلا تكون فرقة ، ولا يكون اختلاف ، قلنا : فنِعم ما رأيت قال : فقيل : أي الناس أفصح ، وأي الناس أقرأ ؟ قالوا : أفصح الناس سعيد بن العاص ، وأقرؤهم زيد بن ثابت ، فقال : ليكتب أحدهما ويمل الآخر ففعلا وجمع الناس على مصحف " قال علي : والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل .

وصححه الحافظ في "الفتح" (9/18)

فالجمع الذي حصل في عهد الصديق وفي عهد عثمان رضي الله عنهما هو جمع القرآن

في كتاب واحد ، وهو المصحف .

أما الجمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حفظه في صدور المؤمنين ، كما قال الله تعالى : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) العنكبوت/ 49

قال ابن كثير رحمه الله :

" أي : هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق ، أمرًا ونهيًا وخبرًا ، يحفظه العلماء ، يَسَّره الله عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا " انتهى .

"تفسير ابن كثير" (6 /286)

فعلى فرض صحة الحديث يكون معناه أن سورة يس قلب القرآن الذي هو كلام الله المحفوظ في صدور الذين أوتوا العلم ، والذي جمع بعد ذلك في الصحف .

فالذي تأخر عن عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو جمع القرآن من الصحف والرقاع ، وجعله كله في مصحف واحد ، كما هو المعهود الآن ، وليس أن شيئا منه كان ضائعا ، أو غير محفوظ ، أو غير مجموع في الصدور ، حتى تم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن هذا أمر لا يمكن ؛ بل القرآن الذي جمعوه في المصحف ، هو نفسه القرآن المحفوظ في صدور الذين أوتوا العلم ، لا يزيد عنه ولا ينقص .

وقد روى مسلم (810) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ؟ قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ قُلْتُ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : ( وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ ) .

فقوله : ( أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ ) يقصد به القرآن المحفوظ المجموع في صدره .

ثالثا :

ليس المراد بالحديث المذكور ، على فرض صحته ، أنها قلب القرآن ، يعني : أنها وسطه من الناحية الكمية ، فهذا غير مراد ، وهو خلاف الواقع أيضا ؛ وإنما المراد به أنه من السور التي جمعت خلاصة مقاصد القرآن الكريم ، ولباب معانيه ، فكأنها منه بمنزلة القلب من الجسد .

قال المباركفوري رحمه الله :

" قوله ( وقلب القرآن يس ) أي لبه وخالصه سورة يس . قال الغزالي : إن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر ، وهو مقرر فيها بأبلغ وجه ؛ فكانت قلب القرآن لذلك . واستحسنه الفخر الرازي .

قال الطيبي : لاحتوائها مع قصرها على البراهين الساطعة ، والايات القاطعة ، والعلوم المكنونة ، والمعاني الدقيقة ، والمواعيد الفائقة ، والزواجر البالغة " انتهى من " تحفة الأحوذي" (8/159) .

والله تعالى أعلم .

الباب: الحديث وعلومه·القرآن وعلومه

سؤال رقم ٢٤٬٢٦٤

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب القرآن وعلومه ‹